من الشقيف إلى “علي الطاهر”… اليوم التالي بعد تدمير الأنفاق (هيلدا المعدراني)

من الأنفاق الممتدة بمحاذاة قلعة الشقيف التاريخية إلى أنفاق “علي الطاهر” التي تُنذر المواجهات بين حزب الله والجيش الإسرائيلي في محيطها وعلى مداخلها بتجدّد الحرب، وصولاً إلى أطنان من المتفجرات التي يبلغ بعضها نحو 700 طن، يتخوّف باحثون في الجيولوجيا وعلم الزلازل من تداعيات هذه التفجيرات على”فالق روم”، ولا سيما أن أي تفجير في موقع “علي الطاهر” سيكون الثالث ضمن نطاقه بعد تفجيري العديسة والشقيف، بما قد ينذر بعواقب لا تُحمد عقباها، وسط دعوات إلى اعتماد بدائل عن التفجير.
شبكات الأنفاق هذه التي تتوغل مئات الأمتار وتضرب في عمق الأرض تحت الصخور والجبال والمنازل المأهولة، حُفرت بصمت على مدى عقدين من الزمن، وتحوّلت الى جزء من عقيدة عسكرية متكاملة واستثنائية تقوم على إخفاء قدرات حزب الله القتالية وترسانته من صواريخ ومنصات تحملها الى مسيّرات وذخائر، وحمايتها من الملاحقة والتدمير. ومع سعي اسرائيل الى تفجيرها وردمها تظهر إشكالية ما يُعرف بـ” اليوم التالي”، ليتحوّل هذا الملف الى قضية أكثر تعقيدًا بعد أن اكتسبت هذه البنية التحتية العسكرية، وهي جزء من واقع جغرافي واجتماعي، أهمية خاصة لما تحويه من خرائط وامتدادات ومداخل ترتبط بمحيطه. ويرى مراقبون أن الإشكالية لم تعد محصورة باكتشاف تلك الممرّات الجوفية بل بمرحلة ما بعد تدميرها. فإزالة منشأة تحت الأرض ليست كإزالة موقع عسكري ظاهر فوقها، في غياب أي معلومات حول عمقه ومحتوياته.
وتقول أوساط متابعة عبر “ليبانون فايلز” ان أي معالجة لإزالة هذه الأنفاق ترتبط بحسابات دقيقة لتجنّب خلق أزمات جديدة مع الأهالي وأصحاب الأرض أو تحويل المناطق الحدودية إلى مساحات أمنية مغلقة، ما يفتح نقاشًا واسعاً حول كيفية التعامل مع هذه المناطق مستقبلاً: فهل تكون المعالجة أمنية فقط أم سيشملها تخطيط عمراني جديد مع ضمان عدم حفر منشآت جديدة؟ وهل تحتاج هذه المساحات الى إعادة تأهيل؟ وهل ستكون هناك كلفة مالية ضخمة تقع على الدولة اللبنانية في ظلّ أزمتها الاقتصادية وعدم وضوح ملف إعادة الإعمار والدول المانحة وشروطها؟
إلى ذلك، لا تقتصر شبكة الأنفاق على الجنوب، بل تشير المعطيات إلى وجود مسارب تحت الأرض تؤدي دور خطوط إمداد لوجستية، تمتد عبر السلسلة الشرقية وتتجاوز الحدود اللبنانية – السورية. وتداولت معلومات نقلها “ليبانون فايلز” في وقت سابق حول التعامل مع بعض هذه المنشآت بالتنسيق بين السلطات اللبنانية والسورية، خصوصاً عندما ارتبطت بعمليات نقل السلاح أو تأمين طرق لوجستية، حيث جرت عمليات تفجير تلك الأنفاق من الجانبين تردّد صداها المدوي في ارجاء المناطق المحيطة.
وبذلك، يظهر البعد الأعمق لملف شبكات الأنفاق كونها لا تشكل أماكن مخفية وبعيدة من الرقابة فحسب، انما انعكاس لجغرافيا نفوذ تمتد من الجنوب حتى البقاع الشمالي، وبالتالي فإن اي مقاربة لعودة السيادة والشرعية الى “ما تحت الارض” يكتسب اهمية تفوق ما فوقها، كما ان الانتقال من مرحلة الكشف والتدمير إلى مرحلة المراقبة المستدامة يعتبر التحدي الابرز في المرحلة اللاحقة.