المحامي ميشال فلاّح
لم يحتج بشير الجميل إلى ست سنوات في قصر بعبدا كي يثبت أنه كان قادراً على تغيير لبنان. احتاج إلى واحد وعشرين يوماً فقط. بين انتخابه رئيساً للجمهورية في 23 آب 1982 واغتياله في 14 أيلول، حدث شيء استثنائي في بلد أنهكته الحرب والانقسامات والاحتلالات. الرجل الذي انتُخب وسط واحدة من أعقد لحظات التاريخ اللبناني بدأ، حتى قبل أن يتسلّم سلطاته الدستورية، يتحول من قائد فريق إلى رئيس وطن. وهنا تحديداً تكمن فداحة 14 أيلول. لأن الذين اغتالوا بشير لم يغتالوا رئيساً كان مجهول الاتجاه. اغتالوا مساراً بدأ فعلاً.
في واحد وعشرين يوماً، تحركت البلاد. بدأت المسافات تضيق بين رئيس الجمهورية المنتخب وبين شخصيات وقوى وبيئات كانت حتى الأمس القريب في موقع الخصومة معه. راح يستقبل، ويتصل، ويتحدث بلغة مختلفة. لم يعد السؤال بالنسبة إليه كيف ينتصر فريق على فريق، بل كيف تنتصر الدولة على كل ما قام مكانها. كان يريد جيشاً واحداً، وقراراً واحداً، وسلاحاً شرعياً واحداً، وسلطة لا تتقاسم سيادتها مع أحد.
وهكذا بدأ يتشكل حوله ما يشبه إعصاراً لبنانياً. إعصاراً لا يقوم على الطائفة، بل على فكرة الوطن. يجذب إلى مركزه كل من يريد لبنان سيداً مستقلاً، نهائياً لأبنائه، ويقذف إلى خارجه كل مشروع يريد لبنان ممراً أو ساحة أو ورقة تفاوض أو وطناً بهوية مستعارة.
وهذا، ربما، كان أخطر ما في بشير. لم يكن الخطر في الرجل الذي خاض الحرب. كان الخطر في الرجل الذي بدا قادراً على الخروج منها ومعه الآخرون. فالحرب تستطيع أن تتعامل مع زعيم طائفة. والخارج يستطيع أن يحاصر قائد ميليشيا. والخصوم يستطيعون مواجهة خصم سياسي. لكن ماذا يفعلون برجل بدأ يتحول، بسرعة مذهلة، إلى نقطة التقاء لبنانية؟
كان بشير يدرك أن الشرعية التي يحتاج إليها في بعبدا لا يمكن أن تكون شرعية الذين انتخبوه وحدهم. لذلك انفتح على خصومه، وسعى إلى طمأنة المسلمين قبل المسيحيين، وأرسل إشارات واضحة بأن مرحلة الرئاسة لن تكون امتداداً لمرحلة الحرب.
وكانت المفارقة أن بعض الذين خافوا انتخابه بدأوا يترقبون رئاسته. هنا كان التحول الكبير. لأن بشير لم يكن يريد أن يدخل بعبدا منتصراً على نصف لبنان، بل أن يدخلها وقد بدأ يجمع لبنان كله حول الدولة. تخيّلوا، إذاً، ماذا كان يمكن أن يحدث لو مُنح الرجل ست سنوات، بعدما أحدث كل ذلك في واحد وعشرين يوماً.
لا أحد يستطيع أن يجزم بما كان سيصنعه التاريخ. لكنه سؤال مشروع: ماذا لو تسلّم فعلاً قيادة الجيش والقوات المسلحة بصفته رئيس الدولة؟ ماذا لو وضع طاقته الهائلة في خدمة المؤسسات؟ ماذا لو تحولت تلك القدرة الاستثنائية على الحشد من مشروع مقاومة وحرب إلى مشروع دولة؟
ربما كان لبنان اليوم مختلفاً جذرياً. ربما لم تكن الوصاية لتصبح قدراً يمتد سنوات طويلة. وربما كان مفهوم السيادة قد ترسخ قبل أن يصبح شعاراً مؤجلاً لجيل آخر. وربما كانت الدولة قد حسمت منذ الثمانينيات السؤال الذي لا يزال يطاردنا حتى اليوم: هل يوجد في لبنان قرار أعلى من قرارها وسلاح أقوى من سلاحها؟
لهذا لم يكن اغتيال بشير الجميل مجرد جريمة سياسية. كان، في أثره التاريخي، كسراً لمسار لبناني كان يتكوّن بسرعة مذهلة.
بعد 14 أيلول، استمر لبنان، لكنه لم يعد إلى اللحظة نفسها. جاء رؤساء وحكومات واتفاقات وتسويات. انتهت الحرب لاحقاً، ودخل السوريون أعمق في النظام اللبناني، ثم خرج الجيش السوري بعد سنوات طويلة. تبدلت التحالفات، وسقطت مشاريع وولدت أخرى. لكن شيئاً بقي ناقصاً.
كأن لبنان أمضى العقود التالية يبحث عن تلك اللحظة التي لمحها لواحد وعشرين يوماً: رئيس قوي بشرعيته، لا بطائفته، دولة تعرف ماذا تريد، وشعب يبدأ بالالتفاف حول وطن بدلاً من الاحتماء بجماعاته. لهذا، بعد أربعة وأربعين عاماً، ليس السؤال الحقيقي: لماذا ما زال بشير الجميل حاضراً؟ السؤال هو: لماذا لم يستطع لبنان أن يتجاوز الحاجة إلى الفكرة التي مثّلها؟
لأن بشير ليس تمثالاً ولا صورة معلقة على جدار. وليس ذكرى تخص حزباً أو عائلة أو منطقة أو طائفة. بشير، بهذا المعنى، نبض وطن. نبض كل لبناني يرفض أن يكون وطنه تابعاً. كل شاب يرفض أن يرث الخوف. كل مواطن يؤمن بأن الدولة ليست حلماً مستحيلاً، وبأن لبنان لا يحتاج إلى تغيير هويته كي يبقى، بل إلى الشجاعة كي يكون نفسه.
قتلوا بشير قبل أن يصل إلى بعبدا. لكنهم لم يستطيعوا قتل ذلك النبض. فهو ينتقل من جيل إلى جيل، وكلما اعتقدوا أنه انتهى، يظهر في جيل لم ير بشير ولم يعرفه، لكنه يريد لبنان الذي أراده. وطناً لا يُستعار قراره، ولا تُبدّل هويته، ولا يُطلب منه أن يعيش على ركبتيه. وهكذا، ربما، أراد بشير أن نكون: ألا ننتظر بشيراً آخر… بل أن يحمل كل واحد منا شيئاً من ذلك البشير في داخله.



