حارس الظل وكاتم السر (حبيب شلوق)


جرجي صليبا أو جورج كما كنت أناديه.إسم يحمل أكثر من ميزة.
إنه قوّاس البطريرك نصرالله صفير منذ أن كان مطرانا وحتى آخر لحظة من حياته. وهو شمّاسه وكاتم أسراره، ومرافقه في حله وترحاله. والأهم أن جرجي وفق تذكرة هويته، كان نسخة غير “مروتشة” عن القواّس الأصلي، إذ أنه كان يحفظ دوره جيداً ولا يحيد عنه.
كان جورج نِعْمَ القواس حسب المعنى الكنسي. ونعم الصديق منذ تعرّفت عليه مع تقرّبي من المطران صفير النائب البطريركي العام مع بدء عملي الصحافي في أواخر السبعينات،وترافقنا هو وأنا في خمسين رحلة مع البطريرك صفيرمنذ اعتلائه السدة البطريركية في 19 نيسان1986 إلى استقالته من من رئاسة الكنيسة في شباط 2011 . وأقدّر ذلك التواضع الذي طبع جورج صليبا الذي كان يعرف حدّه ويقف عنده من دون زيادة أنملة واحدة.
وأذكر أول رحلة مع البطريرك صفير إلى روما لإلتماس بركة البابا (القديس يوحنا بولس الثاني) ونيل درع التثبيت وكنت وكان جورج برفقة البطريرك، وأقام البطريرك مع جورج في دير مار أنطونيوس للرهبانية المارونية المريمية، فيما حرصت أنا ومصور “النهار” النقيب الصديق الشهيد جورج سمرجيان على الإقامة في أوتيل Palatino وهو الفندق الأقرب إلى مقر إقامة البطريرك ويقع في شارع VIA CAVOUR وهو الشارع الموازي للدير ولا يفصله عنه سوى مئتي متر، مئة منهما درج عريض قبالة الفندق يجمع بين الشارع وباحة دير القديس أنطونيوس المريمي ويعج غالباً بالـ Tzigany وهم الغجر الإيطاليون الذين يتفنّنون في الشحادة ولا يسلم منهم الصاعد على الدرج أو النازل عبره.
وفي الليلة الأولى لوصولنا وبعد العشاء في الدير الذي يرأسه الأب فرنسوا عيد (الأباتي ثم المطران لاحقاً)، ناداني البطريرك صفير ليقول لي :” حبيب إذا رايحين لمطرح تسهروا أو تشمّوا الهوا خدوا جورج معكم. فهي السفرة الأولى له”.
وكان للبطريرك ما أراد.
وفي تلك الليلة الأولى انطلقنا مشيا من الدير إلى الحديقة التي تبعد أمتار عنه، وأكثر ما أدهش جورج بعيداً عن بكركي وجبيل كان الحرية الكاملة لأهالي روما فلا تقشف ولا وعد بالجنة، إذ هناك الله من يقرّر وأعمالك. وأذكر جيداً أن جورج كان يستوقفنا كل فترة ليقول لنا سمرجيان وأنا:” شفتوا كيف معمشقين مع بعض (الشباب والبنات) متل البزاّق؟؟!
وأنا أقر بأنني حرصت على أن يظل جورج ضمن “بيئة بكركي وجبيل”. وهذا ما أعرف أن البطريرك أراده من خلال تكليفي شخصياً “أخذه معنا” في حلنا وترحالنا.
خمسون سفرة مع البطريرك صفير لم أغب عن واحدة منها، كذلك لم يغب جورج وهويعرف وظيفته وأنا أعرف وظيفتي . من أوروبا (فرنسا وإنكلترا والمانيا وبلجيكا والسويد وغيرها ) إلى الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين والأوروغواي والمكسيك والبرازيل، ثم إلى قبرص اليونانية والتركية والأردن والكويت وتركيا وأفريقيا (ساحل العاج والسنيغال وتوغو وبينين ونيجيريا وغانا وجنوب أفريقيا) وأوستراليا ، الإجر عالإجر ولكل وظيفته وكلانا يعرف “البطرك التاريخي” ولا يطعنه في الظهر.
وأنا عندما كتبت كتابي” طريق العودة”الذي إختصر جولة البطريرك صفير في الولايات المتحدة وكندا ، لم أجد صورة معبرة في مقدمة الكتاب سوى صورة البطريرك يتمشى مع جورج في منطقة عينطورة الموجهة لبكركي. إنها خير معبّر عن “فلسفة” الرجلين.
سيدنا صفير أحبك كثيراً …وأحب جورج كما أنت أحببته واصطفيته في رحلاتك كما اصطفيتني.
بطريرك نموذج رحل، وشماس نموذج.وأنا انتظر الرحيل.
هناك سيتجدد اللقاء الثلاثي.
(الصورة مع مقدمة كتاب “طريق العودة” لحبيب شلوق عن زيارة الولايات المتحدة الأميركية وكنداعام 2001 والتي روّج فيها لـ”النداء الأخير ” الصادر عن مجلس المطارنة الموارنة والرؤساء العامين للرهبانيات في 20 أيلول 2000 ، والتي يدعو فيها جهراً إلى انسحاب القوات السورية من لبنان) .