لبنان : هل يخرج من وظيفة الساحة إلى رحاب الوطن؟ (جوزف القصيفي)

كان بيار الجميل اول رئيس لحزب الكتائب اللبنانية من اشد أنصار وحدة لبنان حماسة ، والداعين إلى إستقلاله ، وواجه تيارا واسعا في الاوساط المسيحية كان يرفض التخلي عن الانتداب الفرنسي ويرى وجوده في تلك المرحلة ضمانة للمسيحيين الذين يتوجسون، لا من المسلمين إخوتهم في المواطنة والوطن، بل من الاتجاهات الوحدوية ذات التوجه التذويبي مع ” الأمة السورية” التي نادى بها انطون سعاده، أو مع ” الأمة العربية” التي حمل لواء النضال في سبيلها شخصيات سياسية، فكرية، حقوقية في كل من لبنان وسوريا والعراق قبل النكبة. كان الصراع حول هوية لبنان السياسية والثقافية وشكل نظامه. ورغم أن دستور البلاد كان الأقرب من بين كل دساتير الدول المجاورة إلى مفهوم الدولة المدنية، فان الميثاق الوطني شكل خطوة متقدمة على طريق تثبيت صيغة تحتضن التنوع تحت عناوين وطنية جامعة. لكن الحقيقة التي لا مفر من التذكير بها ، هي أن ولادة دولة إسرائيل 1948 قلبت كل المفاهيم والمقاييس ، ولم تأت هذه الولادة من رحم العدم، بل تتويجا لمسار طويل بدأ مع و” وعد بلفور” في العام 1917، ومر في مراحل عدة تكرست بتمكين الدولة العبرية في هذه المنطقة ، على اساس أنها عين الغرب وعصاه الغليظة في جغرافية ممتدة، تزخر بالثروات ذات التأثير الاستراتيجي كالنفط، الغاز، الذهب ، المعادن الثمينة والنادرة ، والزراعة ، وقبل اي شيء: المياه نفط المستقبل. وكان المسيحيون، وخصوصا الموارنة، أول من تنبه لهذا الخطر: نجيب عازوري، الاب بولس عبود الغسطاوي، الشيخ يوسف الخازن،الشاعر وديع البستاني عاشق فلسطين، موريس الجميل، الوزير السابق ميشال إده وسواهم من أعلام. ذهبت تحذيرات هؤلاء سدى لأن أحدا لم يدرك كنه ما سعوا اليه لمنع قيام هذا ” الزرع المصطنع” قبل أن يصبح حقيقة واقعة، وذلك بسبب الخلافات المستشرية بين الزعماء والقادة العرب فترتذاك. وهكذا ضاعت فلسطين التي باتت قضيتها ” قميصا ” يلوح بها ابناؤها ، وكذلك الانظمة العربية على إختلافها، ليبرروا السيوف المسلولة التي شهروها ضد بعضهم البعض. رفض قرار التقسيم وكانت النكبة الكبرى، رفض إقتراح الحبيب بورقيبه الذي دعا إلى دولة فلسطينية يتعايش فيها العرب بمسلميهم ومسيحييهم في إطار صيغة تنظم السلطة وكيفية تداولها، قامت القيامة عليه عندما عرضها لدى زيارته إلى بيروت العام 1965، وكانت نكسة حزيران 1967.ولما إختارت منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها كافة، والتنظيمات غير المنضوية فيها درب الكفاح المسلح بعد استقالة أحمد الشقيري من رئاستها ولدت ثنائية السيادة اللبنانية ومطالبة الفلسطينيين” بحقهم في المقاومة عبر الحدود مع دولتهم المحتلة”، متسلحين بلاءات قمة الخرطوم ( السودان في آب 1967): ” لا صلح، لا إعتراف، لا تفاوض”، وكان ما كان من أمر الاتفاقات( القاهرة: 1969، ملكارت 1973″ بين السلطة اللبنانية والمنظمة، والتي كانت عبارة عن هدنة هشة مهدت للانفجار الكبير في العام 1975 الذي دام 15 عاما قبل أن تضع الحرب اوزارها ويصبح إتفاق الطائف دستورا ، وهو في الحقيقة – إذا ما امعنا النظر فيه وفي طريقة تطبيقه- لوجدنا انه أقرب إلى وقف إطلاق نار منه إلى سلام مستدام بين اللبنانيين. وكل ذلك مرده إلى الاتفاقات أو التجاذبات الخارجية الدولية والاقليمية والعربية التي كانت تحكم القرار السياسي اللبناني الذي قلما خلا من بصمات سورية، ايرانية، سعودية، واميركية وفرنسية، بحسب الظروف والحقب والموضوعات والمصالح السياسية والاقتصادية المتداخلة. واليوم نرى لبنان في قلب الاعصار الدولي – الاقليمي، يضاف اليه العامل الاسرائيلي كما في العام 1982، والعام 1978 من قبل ، والذي افرز احتلالات بلغ آخرها بيروت وكانت العاصمة العربية الأولى التي يدخلها الجيش العبري 1982،ونتائج سياسية تمثلت في اتفاق السابع عشر من ايار 1983 ، وما تلاه من تطورات أدت الى اسقاطه، وإطالة أمد الحرب. ولسنا في حاجة إلى إثبات ما ارتكبت وترتكب إسرائيل من مجازر، رغم مساعي وقف إطلاق النار التي لن تكون على ما يبدو من دون ثمن سياسي، وهو ما يتبين من مفاوضات واشنطن حيث تبدي تل أبيب تصلبا الغرض منه حمل لبنان ليس على توقيع معاهدة سلام معها فحسب، بل على تطبيع العلاقات. في الواقع لم يعد ثمة وجود للاءات الخرطوم. فهناك صلح، وهناك إعتراف وهناك تفاوض. والعالم العربي لم يعد معنيا بالصراع مع اسرائيل، وحتى السلطة الفلسطينية هي الأكثر مرونة مع هذه الدولة التي إغتصبت حقوق شعبها في أرضه التاريخية وتقرير مصيره. أذكر أن رئيس الكتائب اللبنانية الراحل بيار الجميل قد وجه في العام 1974 رسالة مفتوحة إلى وزير الخارجية الأميركي الراحل هنري كيسنجر لمناسبة زيارته إلى لبنان واجتماعه مع الرئيس سليمان فرنجيه في قاعدة رياق الجوية، دعا فيها الى دولة ديموقراطية في فلسطين يتعايش في ظلالها العرب من مسلمين ومسيحيين فيتقاسمون السلطة وينهون عقودا من العنف، وكان الجميل يعتقد أن لبنان بتركيبته التعددية يمثل خطرا على إسرائيل الساعية إلى دولة يهودية. كل هذا المشهد من الماضي، واي طرح من هذا القبيل أصبح بعيد المنال، والصراع لا يزال قائما بأشكال شتى ومختلفة، ولبنان هو الأكثر إستهدافا. وأن الوضع الداخلي المتأثر بارهاصات هذا الصراع يذهب في اتجاهات بالغة الخطورة على تماسكه الداخلي وسلمه الاهلي. ولئلا تكون التفسيرات المتناقضة لدور لبنان المفترض في الصراع القائم بالمنطقة والنقاش الدائر حول حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، وسيادة منطق الدولة، وعلاقة اللبنانيين بعضهم ببعض، وواقع إتفاق الطائف في ضؤ عدم استكماله وممارسته كما تقتضي الممارسة نصا و وروحا لتبين نقاط القوة من الضعف الكامنة فيه، يبدو من الاهمية بمكان عقد مؤتمر وطني يكون نتاج إرادة لبنانية صرف، فلا يدفع المعنيون به بضغط خارجي، بل بقناعة ذاتية لإنتاج حل ” صنع في لبنان”يحدد موقع لبنان من التسويات الكبرى الحاصلة في العالم، والمنطقة العربية، بما يحفظ استقلاله ووحدة ابنائه وجغرافيته، فيخرج من” وظيفة الساحة” إلى رحاب ” وطن الرسالة” ليربح نفسه ويستحق الحياة.