هل الفتنة على الأبواب؟…حذار! (جوزف القصيفي)

بلغ التأزم الطائفي في هذه الأيام أوجه، وهو بات يهدد السلم ألاهلي فعلا. وما من مرة انفلتت الغرائز على هذا النحو من التشكيك والحقد والكراهية بفعل الشحن السياسي الذي يستحضر مخاوف قد يكون لها سند في وقوعات التاريخ، أو يبتكر سيناريوهات لا وجود لها إلا في مخيلة المروجين لها. التصريحات النارية المتبادلة المثقلة بالحذر وسؤ النية تؤجج النار، وتدفع ، ولو ببطء، إلى صدام محتوم.فوسائل التواصل الاجتماعي باتت سداحا مداحا للشتامين الذين ينفخون بجمر الفتنة، ومن يشاهد مقاطع مصورة ملتقطة على :” الواتس” او ضمن “فيديو”، تسري بين الناس سريان النار في الهشيم والتي يعلو فيها الصراخ والتدافع ، ويسمع فيها السباب من العيار الثقيل، يستنتج أن الحرب وشيكة الوقوع، وأن أحدا لن يستطيع وقفها. هذه الصورة يعيها أركان الحكم جيدا ، لأن الازمة تتعاظم مع اتساع حركة النزوح التي تتلازم مع حركة الاستهداف التي وصلت الى مناطق لم تكن مدرجة من قبل على لائحة العمليات الإسرائيلية. كما تتعاظم أيضا تداعيات الاحتقان على علاقة النازحين مع بعض الجهات في المجتمعات المضيفة،ويخشى أن يبلغ التنافر بين هؤلاء إلى مدارات بالغة الخطورة. ومن هنا كان التركيز في الاجتماعات واللقاءات بين كل من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيسي مجلسي النواب والوزراء نبيه بري ونواف سلام ، والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، النائب والوزير السابق وليد جنبلاط يوم الاثنين الفائت ، على التصدي للتصدعات الداخلية بين الافرقاء اللبنانيين، والحؤول دون تحولها إلى أحد روافد عدم الاستقرار الذي يفترض في الجميع تحاشيه. كل طرف يلقي مسؤولية تصاعد التوتر على آلاخر ويغسل يده من إثم الانجرار الى المكاسرة متذرعا باسباب شتى. وفي المحصلة لا بد من ألاقرار بوجود مشكلة عميقة يتعين على المسؤولين الانكباب على معالجتها، قبل أن يستفحل الأمر وتصبح وحدة لبنان مهددة، ويمسي عيشه الواحد عرضة للسقوط ، وتوشك دولته على الانهيار. هذا المشهد المكفهر إستدعى تحركا سريعا بموازاة ما يحصل دوليا واقليميا، ليحفظ لبنان رأسه في غمرة المتغيرات المتوقعة، خصوصا أنه لا يزال يحمل من تاريخه القديم والحديث إرثا من السلبية، ويعيش لعنة الجغرافيا بين دولتين لم تشكلا يوما بالنسبة اليه إلا مصدر متاعب واطماع تنحسر وتتمدد تبعا للسياسات الدولية. وثمة أسئلة يطرحها الواقع حول قدرة ابنائه على نسج مناعة وحصانة تمكناه من حماية نفسه في ازمنة التحولات. وترى مصادر واسعة الاطلاع، وذات خبرة في الملف الداخلي منذ نشأة دولة لبنان الكبير ، أنه لا بد من تحرك فوري يقوده رئيس الجمهورية تجاه قادة البلاد على إختلاف مواقفهم السياسية والتداول معهم في الأفكار وآلاليات التطبيقية من أجل سحب فتائل التفجير ، وتجنيب البلاد شرا مطيرا يتربص بابنائها الذين قد ينقادون إليه في اي ساعة ، إذا لم يجر تدارك أسبابه. وتضيف هذه المصادر أنه بالتوازي مع هذا التحرك، يفترض أن يكون لرئيس المجلس النيابي دور مماثل، لأن مواقفه دلت إلى حرصه على الوحدة الوطنية ، وتجمله بالصبر حيال الضغوط التي تعرض لها، وهو سيتابع نهجه الايجابي مهما عظمت عليه الصعاب. فالرئيس بري أكد تكرارا أن كل تضحية ترخص لديه أمام صون الوحدة الوطنية. وكان بإمكان الحكومة أن تكون هيئة حوار بين الاطراف الممثلة فيها،لولا الخلافات والتباينات التي تعصف بمكوناتها السياسو- طائفية ، والنقاشات الحادة الدائرة بين أعضائها حول اكثر من موضوع .وبالتالي ، فان الحكومة بصيغتها الراهنة تحولت إلى متاريس سياسية، وتبدو عاجزة عن قيادة الحوار،بعدما تخبطت في موضوعات واستحقاقات بلغ فيها الانقسام الشعبي حداخطيرا،ولو انها أقرت بعض ما يعود إلى هذه الاستحقاقات بالاكثرية المريحة. على أن المصادر عينها تؤكد أن لا مفر من دور للرؤساء والقيادات ألروحية يشكل حاضنة لكل المساعي الجارية لتطويق اي إنحدار نحو الهاوية، وهذا يستدعي ضرورة إحياء القمة الروحية والتنسيق بين أركانها ورئيس الجمهورية، لاطلاق مبادرة حوارية يكون بندها الأول والأخير: السلم الاهلي في خدمة لبنان الواحد . وهذا ما يدفع الفاتيكان باتجاهه. وتطمئن جهات مطلعة أن الجيش اللبناني مهيأ لتسلم اي مهمة تتعلق بالحفاظ على السلم ألاهلي لأن هذا الأمر يعني المؤسسة العسكرية ، ويدخل في صلب إستراتيجيتها الوطنية.وكذلك سائر الأجهزة الامنية. لكن هل يستقيم ذلك من دون أوسع تفاهم سياسي؟ وهل أن مثل هذا التوافق ممكن؟ قد يكون الفرقاء على إختلافهم قد مضوا، ويمضون بعيدا في سياسة اللعب على طرف طرف الهاوية. لكن في نهاية المطاف سيجدون انفسهم ملزمين بوقف هذه اللعبة لأن أحدا منهم لن ينجو من سلبياتها ولو بمقدار ، لانهم يعرفون ان كلفتها ستكون عالية وموجعة في آن.