المحامي ميشال فلاّح
لم يعد السؤال المتعلق بمسؤولية رئيس الجمهورية السابق في انفجار مرفأ بيروت افتراضياً صرفاً. فالنيابة العامة التمييزية طلبت، في مطالعتها المسلّمة إلى المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، توجيه الاتهام إلى الرئيس السابق ميشال عون، على خلفية ما تعتبره علماً مسبقاً بوجود نيترات الأمونيوم وخطورتها من دون اتخاذ الإجراءات اللازمة أو طرح الأمر أمام المجلس الأعلى للدفاع. ويبقى القرار الاتهامي من صلاحية المحقق العدلي، وبالتالي لا نحن أمام إدانة ولا حتى أمام قرار اتهامي نهائي حتى الآن.
لكن التطور يضع القضاء أمام سؤال دستوري يسبق البحث في المسؤولية نفسها: إذا أريدت محاكمة رئيس سابق عن أفعال أو امتناعات وقعت أثناء ولايته، فمن يملك الاختصاص: القضاء العدلي أم المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء؟
النصوص لا تقدم جواباً حرفياً عن «الرئيس السابق»، لكن قراءتها مجتمعة تسمح، في التقدير الاولي، بترجيح أحد الاتجاهين.
المادة 60: نص خاص لا يمكن اختصار نصفه
تنص المادة 60 من الدستور على عدم مسؤولية رئيس الجمهورية، حال قيامه بوظيفته، إلا عند خرق الدستور أو الخيانة العظمى. ثم تقرر أن المسؤولية عن «الجرائم العادية» تخضع للقوانين العامة. لو توقف النص هنا، لكان القول باختصاص القضاء العدلي في الجرائم العادية شديد القوة. لكنه لا يتوقف. فالمادة نفسها تضيف أنه لا يمكن اتهام الرئيس بسبب هذه الجرائم، ولا بسبب خرق الدستور أو الخيانة العظمى، إلا من مجلس النواب بقرار يصدر بغالبية ثلثي مجموع أعضائه، وأن محاكمته تتم أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة 80. وهذه العبارة تقلب المعادلة.
فالقول إن «الجرائم العادية خاضعة للقوانين العامة» يتعلق، في قراءة ممكنة وثابتة، بالقانون الموضوعي الواجب التطبيق، أي إن الرئيس ليس معفى من قانون العقوبات. أما طريق الاتهام والمحاكمة، فقد خصّه الدستور نفسه بإجراءات ومرجع محددين. وإلا يصبح السؤال مشروعاً، لماذا ذكر المشترع الدستوري الجرائم العادية صراحة، ثم قال إن الرئيس لا يُتهم «بسبب هذه الجرائم» إلا بواسطة مجلس النواب ويحاكم أمام المجلس الأعلى؟
ماذا يتغير بانتهاء الولاية؟
هنا تظهر الحجة المقابلة. فالمادة 61 تقضي بأن رئيس الجمهورية «يكف عن العمل عندما يتهم»، وأن سدة الرئاسة تبقى خالية حتى يفصل المجلس الأعلى القضية. وهذا يؤكد أن النظام الخاص صُمم أساساً لرئيس موجود في السلطة. فإذا انتهت ولايته، انتفت الحاجة إلى حماية انتظام عمل الرئاسة، فلماذا يبقى القضاء الاستثنائي مختصاً؟
الحجة جدية، لكنها ليست حاسمة. فالمادة 61 تحدد أثر الاتهام على ممارسة الرئاسة، بينما المادة 60 تحدد جهة الاتهام والمحاكمة. وسقوط الأثر الوظيفي بانتهاء الولاية لا يؤدي بالضرورة إلى سقوط قاعدة الاختصاص. وهنا يمكن بناء معيار أكثر تماسكاً، إذ ليس المهم متى بدأت الملاحقة فقط، وإنما متى وقع الفعل وبأي صفة ارتُكب.
الرئيس ليس وزيراً: فارق دستوري جوهري
يقوى هذا الترجيح عند مقارنة المادة 60 بالمادتين 70 و71 المتعلقتين برئيس الحكومة والوزراء. فالمادة 70 تعطي مجلس النواب حق اتهام رئيس الحكومة والوزراء بـ«الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم»، فيما تقضي المادة 71 بمحاكمتهم أمام المجلس الأعلى عند صدور الاتهام. لكن النص، خلافاً للمادة 60، لا يقول إن الجرائم العادية التي يرتكبها الوزير لا يمكن اتهامه بها إلا أمام مجلس النواب.
وهذا الفرق ليس شكلياً. فالمشترع الدستوري كان يعرف كيف يميز بين المسؤولية الوظيفية والجريمة العادية، ومع ذلك ذكر في المادة 60 الخاصة بالرئيس «الجرائم العادية» صراحة وأدخلها ضمن آلية الاتهام الخاصة. لذلك لا يصح بالضرورة نقل الحلول المتعلقة بمحاكمة الوزراء أمام القضاء العدلي إلى رئيس الجمهورية بصورة آلية. النصان مختلفان، وبالتالي قد يختلف الاختصاص.
أين يقع ملف المرفأ؟
إذا كانت المسؤولية المحتملة للرئيس السابق تقوم على فعل شخصي لا علاقة له بالرئاسة، فإن اختصاص القضاء العدلي يصبح أكثر قابلية للدفاع عنه بعد انتهاء ولايته. أما إذا كان الاتهام المفترض قائماً على أنه تلقى، بصفته رئيساً للجمهورية، تقارير رسمية عن خطر يمس الأمن العام، وأن مسؤوليته نتجت عن عدم اتخاذ إجراء كان يتوجب عليه اتخاذه بحكم موقعه أو عدم طرح المسألة أمام المجلس الأعلى للدفاع، فنكون أمام فعل أو امتناع شديد الاتصال بممارسة الوظيفة الرئاسية.
وهنا تميل الكفة، في النقدير المرجّح، نحو المجلس الأعلى. ليس لأن الرئيس السابق يتمتع بحصانة دائمة، بل لأن الاختصاص القضائي يتبع طبيعة الفعل عند وقوعه، وليس الصفة التي يحملها صاحبه يوم بدء المحاكمة.
ماذا تقول التجارب المقارنة؟
فرنسا اختارت حلاً مختلفاً وأكثر وضوحاً. فالمادة 67 من دستورها تحمي الرئيس، أثناء ولايته، من إجراءات التحقيق والملاحقة أمام السلطات القضائية الفرنسية، وتعلّق المهل، لكنها تسمح باستئناف الإجراءات أو مباشرتها بعد شهر من انتهاء ولايته. وفي المقابل، تبقى للأفعال التي قام بها بصفته رئيساً حماية دستورية خاصة.
أما الولايات المتحدة فقد اتجهت إلى معيار «طبيعة الفعل». ففي حكم Trump v. United States عام 2024، قررت المحكمة العليا أن الرئيس السابق يتمتع بحصانة مطلقة بالنسبة إلى الأعمال الواقعة ضمن صلاحياته الدستورية الحصرية، وبحصانة مفترضة بالنسبة إلى سائر الأعمال الرسمية، فيما لا حصانة للأفعال غير الرسمية.
وفي كوريا الجنوبية يبدو النص أكثر بساطة، فالمادة 84 تمنع اتهام الرئيس جنائياً أثناء ولايته، باستثناء التمرد والخيانة. أي إن الحماية الزمنية تنتهي، من حيث المبدأ، بانتهاء المنصب، وهو ما أتاح تاريخياً محاكمة رؤساء سابقين أمام القضاء الجنائي.
هذه النماذج لا يمكن استنساخها لبنانياً، لكنها تؤكد فكرة مشتركة، بأن الحصانة الشخصية شيء، وطبيعة العمل الرئاسي والمرجع المختص بمراجعته شيء آخر.
ترجيح المجلس الأعلى… ولكن ليس حصانة أبدية
في ميزان النصوص اللبنانية، تبدو كفة المجلس الأعلى أرجح عندما تتعلق الملاحقة بفعل وقع أثناء الولاية واتصل مباشرة بممارسة الوظيفة الرئاسية، ولو بدأت الإجراءات بعد انتهاء الولاية. فالمادة 60 لم تحصّن الرئيس من تطبيق القانون الجزائي، لكنها رسمت طريقاً خاصاً لاتهامه ومحاكمته، وأدخلت حتى «الجرائم العادية» صراحة في هذا الطريق. أما المادة 61 فتحدد نتائج الاتهام أثناء الولاية ولا تكفي، بمفردها، لإلغاء قواعد الاختصاص بعد انتهائها.
غير أن هذا الترجيح يجب ألا يتحول إلى حصانة أبدية. فالجريمة الشخصية المحضة، المنفصلة عن ممارسة الرئاسة، لا ينبغي أن تصبح محصنة لمجرد أن مرتكبها كان رئيساً. وهنا تكمن دقة ملف المرفأ، السؤال ليس فقط هل أخطأ الرئيس السابق، بل هل الفعل المنسوب إليه فعل شخصي أم امتناع متصل بواجباته الرئاسية؟
إذا كان الثاني، فإن الطريق الذي رسمته المادة 60 يبدو، دستورياً، أكثر إقناعاً، أي مجلس النواب للاتهام، والمجلس الأعلى للمحاكمة. وقد يكون هذا الطريق شائكاً سياسياً وصعباً عملياً، لكنه يبقى مشكلة في فعالية النظام الدستوري لا سبباً لتغيير قواعد الاختصاص. فلا يجوز أن تؤدي صعوبة انعقاد المحكمة المختصة إلى خلق اختصاص لمحكمة أخرى.
وفي دولة القانون، لا ينبغي أن يكون الرئيس السابق فوق المحاكمة، لكن لا ينبغي أيضاً أن يحاكم أمام مرجع لا يمنحه الدستور سلطة محاكمته. فالقاعدة الأشد اتزاناً ليست «لا محاكمة لرئيس سابق»، بل “لا حصانة أبدية لرئيس سابق”، و”لا محاكمة بلا محكمة مختصة”.



