في مشهد يختصر عمق التاريخ و جمال الجغرافيا، إستقبلت بلدة العاقورا، ملكة الجرود اللبنانية، وزير السياحة السيدة لورا الخازن لحود، في زيارة لم تكن مجرّد محطّة بروتوكولية، بل اعترافًا رسميًا بمكانة طالما استحقتها هذه البلدة العريقة و تتويجًا لجهود سنوات طويلة بذلها أبناؤها ليكون إسم العاقورا حاضرًا بقوة على خريطة السياحة اللبنانية.
جاءت الزيارة تلبية لدعوة رفعتها لجنة مهرجان التفاح في العاقورا، برئاسة السيدة نضال الهاشم رستم و بدعم السيدة ناي لحود مرعب و أعضاء لجنة مهرجان التفاح، بعد أسابيع من التّحضير والتواصل مع الوزارة. و قبل وصول معاليها، حلّ مدير التنمية السياحية في وزارة السياحة الأستاذ ربيع شدّاد ضيفًا عزيزًا في جولة إستطلاعية شهدت له فيها العاقورا عن كنوزها المخبّأة: من أقدم كنيسة المارونية التي كانت في الأصل مدفنًا لكبار كهنة معبد عشتروت، إلهة الجمال، التي اختار الأقدمون هذه المنطقة الأجمل من بلاد كنعان لتكون مكان ولادتها، إلى إرثٍ مسيحي ماروني هو من أقدم ما عرفته المنطقة، مرورًا بمعابد الإله هيليوس إله الشمس، والإله كرونوس إله الزمن عند الأقدمين، وصولاً إلى الطريق المحفور في الصخر و حائط الامبراطور هاديرانوس، الذي يُعدّ من أقدم الطرق في تاريخ الكوكب. جولة قصيرة، لكنها كانت كافية ليدرك المسؤول الحجم الحقيقي لما تختزنه العاقورا من مقوّمات تجعلها وجهة متكاملة للاستجمام، و للسياحة الثقافية، و للأنشطة المتنوعة التي ترضي كل الأذواق.
وعند المساء، وصلت الوزيرة إلى جرود Jroud – Aaqoura EcoVillage حيث أقيم الحفل، لتجد بانتظارها حشداً من أبناء البلدة الذين اجتمعوا للمشاركة في دعم مشروع بناء المستوصف الصحي، وللإحتفال بمناسبة تعني للعاقورا الكثير. إفتُتح الحفل بالنشيد الوطني اللبناني، ثم ألقى الدكتور الياس الهاشم كلمة ترحيبية استعاد فيها عبق تاريخ العاقورة و جمالها الأخّاذ، قبل أن تقدّم معالي الوزيرة التي ألقت بدورها كلمة تحدّثت فيها عن موسم التفاح و ما يمثّله من رافد اقتصادي أساسي لأهالي المنطقة، مكّنهم من الصمود وتعليم أبنائهم وبناء حياة كريمة من خيرات أرضهم.
ولم يكن العشاء أقل حضوراً من الكلام، إذ تذوّقت الوزيرة أطباقًا أصيلة من مطبخ العاقورا الجبلي: البيض البلدي مع القورما، والكشك بالقورما، وسائر المونة والمأكولات العضوية التي أعدّتها أيدي نساء الضيعة بحب و خبرة توارثَتها الأجيال المتعاقبة. إستمرّت السهرة على وقع موسيقى الـDJ نجيب الهاشم، ثمّ على أنغام عود الفنان جو شهوان و باتريك عساف على الإيقاع، في أجواء أُلفة زادها دفئًا ضوء نار المخيّم التي أُشعلت ليجتمع حولها الحضور الكريم.
هذه الزيارة لم تكن مناسبة عابرة، بل رسالة واضحة: إنّ العاقورا، بتاريخها الممتد من عصور الآلهة الوثنية إلى فجر المسيحية، وبطبيعتها الجردية الخلابة، وبمنتجاتها الزراعية التي يتصدّرها التفاح، باتت اليوم وجهةً تستحقّ أن تُدرج رسمياً على خريطة وزارة السياحة في لبنان. وفي قلب هذا التحوّل، تقف جرود العاقورا Jroud – Aaqoura EcoVillage كمنصّةٍ فاعلة ساهمت، إلى جانب مشاريع سياحية بيئية أخرى نمت في جرد جبيل خلال السنوات الأخيرة، في تحويل هذه البقعة الجبلية من منطقة زراعية بامتياز إلى واحدة من أبرز وجهات السياحة البيئية والريفية في لبنان.
فالسياحة البيئية، كما يعرفها أهل العاقورا، لا تُصنع بقرارٍ من مكتب، ولا تُصنع بكيديات و مواقف شخصانية سلبية أنانية، بل تُبنى بتعاضد و تكاتف و وجود أهلها في شتّى المناسبات و دعمهم لبعضهم البعض و للمشاريع الخيّرة التي تعود بالمنفعة على الجميع من دون استثناء، و من أشخاص آمنوا بأرضهم و بقصّتها و استثمروا فيها: قصة الطبيعة و التاريخ و الزراعة و المطبخ و الناس و الثقافة و التفاعل الجماعي. ولعلّ ما يميّز Jroud – Aaqoura EcoVillage أنها لم تكتفِ باستضافة الزوار، بل جعلت من كل إقامةٍ فيها رحلة اكتشاف حقيقية لروح العاقورا و هُويتها.
إنّ زيارة معالي الوزيرة لورا الخازن لحود إلى جرود Jroud تشكل محطة فارقة في مسيرة طويلة من العمل الدؤوب، وتفتح الباب أمام دعمٍ وزاري أوسع لهذه المنطقة الواعدة، لتصبح العاقورا، بكل ما تحمله من إرثٍ وجمال، إسمًا يتردّد بفخرٍ على خريطة السياحة اللبنانية والعالمية.





