بولس نعمان… حين يصبح الدفاع عن لبنان فعلاً من أفعال الإيمان

المحامي ميشال فلاّح

“جاهدتُ الجهادَ الحسن، أكملتُ السعي، حفظتُ الإيمان.” (2تيموثاوس4: 7)
رحل الأباتي بولس نعمان. ورحيله ليس غياب راهبٍ كبير فحسب، بل انطفاء واحد من آخر شهود زمنٍ كان فيه رجالٌ يعتقدون أن لبنان ليس مجرد حدود على خريطة، بل قضية تستحق أن يُدفع ثمنها.
كان راهباً حتى أعماقه، ولبنانياً حتى العصب. ولم يرَ يوماً تناقضاً بين الاثنين. فالرهبنة عند بولس نعمان لم تكن هرباً من العالم، والإيمان لم يكن حياداً أمام الظلم، والصليب لم يكن زينةً فوق الثوب الرهباني. وحين شعر بأن وطنه مهدد، خرج من صمت الدير إلى ضجيج التاريخ، لأن ثمة لحظات يصبح فيها الصمت نفسه موقفاً، والحياد تخلياً، وعدم الاختيار اختياراً.
هذه، في الحقيقة، ليست سيرة بولس نعمان وحده. إنها صفحة من تاريخ الكنيسة المارونية في لبنان. فالكنيسة التي حملت شعبها قروناً في الجبل، لم تنظر يوماً إلى لبنان باعتباره عقاراً. وعندما وقف البطريرك الياس الحويك في مؤتمر الصلح في باريس مطالباً بلبنان الكبير، لم يكن يبحث عن إمارة للموارنة، بل عن وطن قابل للحياة لجميع أبنائه. وعندما اهتز الكيان بعد عقود، خرج من قلب الكنيسة رجال رأوا أن حماية لبنان ليست خروجاً على رسالتهم، بل جزء من أمانتهم تجاه الإنسان والحرية.
بولس نعمان كان واحداً من هؤلاء. لم يدخل السياسة طالباً مقعداً، ولم يكن لديه منصب ينتظره في الجمهورية. دخلها حين تحولت السياسة إلى سؤال وجود: هل يبقى لبنان وطناً حراً، أم يصبح ساحةً تتقاسمها مشاريع الآخرين؟
من «لجنة البحوث اللبنانية» إلى الجبهة اللبنانية، كان نعمان حاضراً في صناعة الرؤية والموقف. جلس إلى جانب كميل شمعون وبيار الجميل وشارل مالك وغيرهم، لا بصفته سياسياً ولا مقاتلاً، بل راهباً ومفكراً رأى أن الدفاع عن الكيان يحتاج إلى فكرة بقدر ما يحتاج إلى موقف.
وفي قلب تلك المرحلة، كان بشير الجميل. وجد بولس نعمان في بشير رمزاً أبعد من قائد صاعد في زمن الحرب. رأى مشروع انتقال من الدفاع عن الوجود إلى استعادة الدولة، من منطق الجماعات التي تحمي نفسها إلى دولة تحمي الجميع. ولهذا وقف إلى جانبه. كان الاثنان يلتقيان عند فكرة لا تزال، بعد كل هذه العقود، شديدة الحساسية، لا سيادة بنصف قرار، ولا دولة بسلاحين، ولا وطن يقرر الآخرون متى يحارب ومتى يسالم. انتُخب بشير رئيساً للجمهورية ثم اغتيل قبل أن يدخل قصر بعبدا. لكن اغتيال الرجل لم يقتل السؤال.
ومن المفارقات القاسية أن يرحل بولس نعمان اليوم ولبنان لا يزال يناقش، بأسماء جديدة، المسألة نفسها: لمن القرار في لبنان؟
هنا يصبح الرجل معاصراً لنا أكثر مما يصبح جزءاً من الماضي. ليس المطلوب تقديس تجربة الجبهة اللبنانية، ولا تبرئة الحرب اللبنانية من أخطائها. فالحرب كانت كارثة وطنية، وفي كل معسكر أخطاء وخطايا ودماء. والتاريخ الذي يخشى النقد يتحول أسطورة. لكن النقد شيء، وتزوير الذاكرة شيء آخر.
كان ثمة لبنانيون، وفي طليعتهم بولس نعمان، اعتقدوا أن وطنهم مهدد وأن عليهم الدفاع عنه. يمكن مناقشة الوسائل والتحالفات والحسابات، لكن يصعب إنكار أن الرجل دفع نفسه إلى قلب الخطر من دون أن يكون طالب سلطة أو ثروة.
وهنا تحديداً تكمن قيمة تجربته الكنسية. فالكنيسة ليست حزباً، ويجب ألا تكون. وليست جيشاً، ولن تكون. لكنها أيضاً ليست مؤسسة عقارية مهمتها إدارة الأوقاف وانتظار انتهاء العواصف . عندما يصبح الوطن في خطر، تهب الكنيسة من رجالها.
هكذا فعلت في محطات من تاريخ لبنان: رجال دين حملوا قضية الاستقلال، ورهبان أسسوا المدارس والجامعات، وبطاركة واجهوا سلطات وانتدابات ووصايات، وكهنة وقفوا مع الناس حين انهارت مؤسسات الدولة. ليس لأن الكنيسة تريد الحكم، بل لأنها تعرف أن الحرية شرط لكي تبقى الكنيسة كنيسة، والمسجد مسجداً، والإنسان إنساناً.
وهذا هو المعنى الأعمق لوطنية بولس نعمان.لم يكن يريد لبنان للمسيحيين. كان يريد المسيحيين في لبنان حرّ، والمسلمين في لبنان حرّ، والإنسان في لبنان حرّاً. لأن البديل عن الدولة ليس دولةً لطائفة أخرى، بل انهيار الدولة على الجميع. لذلك لم يكن عنوان مذكراته، «الإنسان، الوطن، الحرية»، مجرد اختيار أدبي. كان خلاصة عقيدته. فالإنسان بلا حرية تابع. والحرية بلا وطن مشرّدة. والوطن بلا سيادة اسم على خريطة.
واليوم، حين نودع بولس نعمان، لا نودع فقط رجلاً من زمن الحرب. نودع شاهداً على زمن كان السؤال فيه وجودياً، ونكتشف أن السؤال نفسه لم يمت. تغير اللاعبون، وتبدلت المحاور، واختلفت الرايات، لكن المعضلة بقيت: هل يكون لبنان دولةً صاحبة قرار، أم ساحةً لقرارات الآخرين؟
رحل الراهب، إذاً، وبقي السؤال. ولعل الكنيسة التي أعطت لبنان بولس نعمان لا تحتاج في هذه اللحظة إلى أن ترثيه بقدر ما تحتاج إلى أن تتذكر الدرس الذي مثّله: أن الصلاة لا تعني الصمت، وأن المحبة لا تعني الاستسلام، وأن الكنيسة لا تحمل السلاح، لكنها تحمل كلمة الحق؛ وإذا أصبح مصير الوطن على المحك، فلا يجوز لكلمة الحق أن ترتجف.
رحل بولس نعمان. الراهب الذي لم يخلع ثوبه حين دخل معترك الوطن.
المؤرخ الذي لم يكتفِ بكتابة التاريخ، بل أصبح جزءاً منه.
واللبناني الذي آمن بأن الصليب والأرزة لا يتناقضان عندما تكون الحرية هي القضية.
واليوم، بعدما أكمل الطريق، لا تليق به عبارة أكثر من قول الرسول:
«جاهدتُ الجهادَ الحسن، أكملتُ السعي، حفظتُ الإيمان.»
سلامٌ للأباتي بولس نعمان.
لقد حفظ الإيمان، وحفظ الأمانة… ولم يساوم على لبنان.