حضرة معالي وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي المحترمة،
تحية وبعد،
أنا أنطونيلا صوما، خرّيجة مدرسة مشمش الرسمية بكل فخر، وخرّيجة ثانوية جبيل الرسمية بكل فخر، والأولى على لبنان عام 2006 في البكالوريا اللبنانية – فرع الآداب والإنسانيات.
أكتب إليكم اليوم، بعد صدور قرار إغلاق مدرسة مشمش الرسمية، لا بصفتي خرّيجة هذه المدرسة فحسب، بل ابنة بلدة تعرف تمامًا ماذا تعني هذه المدرسة لأهلها، وماذا يعني إغلاقها.
مدرسة مشمش الرسمية ليست رقمًا في سجلات وزارة التربية.
على مقاعدها تعلّم وتخرّج، على مدى عقود، محامون وأطباء وضباط وأساتذة ونخبة من المتفوقين من أبناء مشمش والقرى المجاورة. هي جزء من تاريخ قرية جبيلية، قرية الشمس والشمامسة، وجزء من ذاكرة أجيال كاملة من أبنائها.
ولنبدأ من المعيار الأهم: المستوى التعليمي.
في وقت عانت فيه مدارس رسمية كثيرة من ظروف صعبة انعكست على أدائها، حافظت مدرسة مشمش الرسمية على مستوى تعليمي مشرّف ونتائج ممتازة، وحقق العديد من طلابها في الشهادة المتوسطة معدلات مرتفعة ونتائج مميزة.
الكادر التعليمي والإداري لم يتعامل يومًا مع المدرسة على أنها مجرد مدرسة صغيرة في قرية نائية. عمل، ضمن الإمكانات المتاحة، على تطوير التعليم والنشاطات اللامنهجية والبيئة المدرسية، سعيًا إلى تقديم مستوى يضاهي ما تقدمه المدارس الخاصة.
أما إذا كان الدافع وراء الإغلاق ماديًا، فهنا تصبح علامات الاستفهام أكبر.
إيجار المدرسة السنوي لا يتجاوز 300 دولار أميركي، وقد أبدى الأهالي استعدادهم لتغطيته. كما أبدوا استعدادهم للمساهمة في تغطية ميزانية المدرسة رغم أنها أساسًا من مسؤولية وزارة التربية. أما التدفئة، فيتكفّل بها دير مار مارون عنايا.
ماذا يتبقى إذًا؟
رواتب الأساتذة، وهي رواتب ستدفعها الوزارة في جميع الأحوال بعد نقلهم إلى مدارس أخرى.
فأين الوفر الحقيقي الذي يستحق اقتلاع مدرسة من قريتها؟
وهنا نصل إلى الجانب الإنساني، وهو الجانب الذي لا يجوز أن يغيب عن أي قرار إصلاحي.
منذ عام 2019، يعيش اللبناني تحت وطأة أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، ويدفع يوميًا ثمن عقود من سوء الإدارة والفساد. ورغم كل شيء، حاول الناس التأقلم والاستمرار، وكان التعليم واحدًا من آخر الأمور التي يتمسكون بها.
مدرسة مشمش الرسمية تمكّن عشرات العائلات من تعليم أبنائها في قريتهم، من دون تكبّد تكاليف نقل وباصات إلى مناطق أخرى. وإغلاقها يعني أن ما لا يقل عن 35 عائلة ستجد نفسها أمام أعباء مالية ولوجستية إضافية فقط كي يتمكن أولادها من الذهاب إلى المدرسة.
والضرر لا يطال التلامذة وحدهم.
فالأساتذة الذين يتقاضون أصلًا رواتب لا تتناسب مع تكاليف المعيشة، سيُطلب منهم الانتقال يوميًا إلى مدارس أخرى وتحمل تكاليف نقل إضافية قد تلتهم جزءًا كبيرًا مما يتقاضونه.
معالي الوزيرة، عذرًا لأننا لم ننجب عددًا أكبر من الأطفال كي تستوفي مدرستنا شروط الأرقام.
ربما لأن العائلة اللبنانية أصبحت تفكر ألف مرة قبل إنجاب طفل جديد إلى بلدٍ يقاتل فيه الإنسان للحصول على أبسط حقوقه: تعليم، طبابة، كهرباء، وأمان اقتصادي.
نحن لا نحمّلكم مسؤولية عقود كاملة من الفساد والأزمات، ولكن عندما تأتي قرارات الإغلاق تحت عنوان الإصلاح وترشيد الإنفاق، فمن حقنا أن نسأل: أين الإنسان في معادلة الإصلاح؟
يا ليت إغلاق مدرسة صغيرة في جرود جبيل قادر على إصلاح سنوات من الهدر والفساد.
يا ليت إغلاق مدرسة صغيرة في جرود جبيل قادر على إنعاش خزينة وزارة التربية وإنقاذ التعليم الرسمي في لبنان.
يا ليت إغلاق مدرسة صغيرة، إيجارها السنوي 300 دولار، هو ما ينقص الدولة اللبنانية كي تستعيد عافيتها.
لكننا نعلم جميعًا أن الأمر ليس كذلك.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الطفل، ولا من الأستاذ، ولا من مدرسة قرية صغيرة نجحت رغم كل الظروف في أداء رسالتها.
الإصلاح يبدأ من الهدر الحقيقي.
أما أن ندفع ثمن الأزمات من قدرة العائلات على تعليم أولادها، ومن جيوب أساتذة أنهكتهم الأزمة أصلًا، ثم نسمّي ذلك ترشيدًا وإصلاحًا، فهنا يصبح من حقنا أن نعترض.
معالي الوزيرة،
هذه ليست مطالبة بالإبقاء على مؤسسة فاشلة لمجرد الحنين إليها. نحن نتحدث عن مدرسة لها تاريخ، ولها نتائج، ولها طلاب، ولها كادر تعليمي، ولها مجتمع محلي مستعد حتى لتحمل جزء من الأعباء المالية كي تبقى أبوابها مفتوحة.
لذلك، ومن القلب، نطلب منكم إعادة النظر في قرار إغلاق مدرسة مشمش الرسمية، ودراسة حالتها بشكل منفرد استنادًا إلى أرقامها ونتائجها وكلفتها الفعلية والأثر الاجتماعي والاقتصادي لإغلاقها.
لا تجعلوا أبناء القرى يدفعون ثمن أزمات لم يصنعوها.
ولا تجعلوا من المدرسة الحلقة الأسهل التي تُكسر باسم الإصلاح.
كفى أن يدفع المواطن اللبناني الثمن مرّة باسم الفساد، ومرّة أخرى باسم محاربته.
مع الاحترام،
أنطونيلا صوما
خرّيجة مدرسة مشمش الرسمية
الأولى على لبنان في البكالوريا اللبنانية – فرع الآداب والإنسانيات، ٢٠٠٦



