“الشخص غير المرغوب فيه” وصلاحيات الأمن العام عندما تتعارض قرارات السلطة التنفيذية

المحامي ميشال فلاّح

أثارت قضية السفير الإيراني السابق في لبنان محمد رضا شيباني نقاشاً سياسياً واسعاً حول حدود صلاحيات الأجهزة الأمنية وعلاقتها بالسلطة السياسية. إلا أن جوهر المسألة قانوني قبل أن يكون سياسياً: هل يستطيع المدير العام للأمن العام، وهو يمارس اختصاصاً قانونياً في منح الإقامات، أن يمنح إقامة لشخص أعلنت الدولة اللبنانية أنه غير مرغوب فيه وطالبته بمغادرة أراضيها؟
الإجابة تقتضي أولاً تحديد الأثر القانوني لإعلان persona non grata، ثم تحديد ما إذا كان القرار اللبناني قد تجاوز المجال الدبلوماسي إلى إنشاء التزام داخلي بالمغادرة.

Persona non grata: إنهاء الصفة الدبلوماسية أم أكثر؟
تنص المادة التاسعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية على حق الدولة المعتمد لديها في إعلان رئيس البعثة أو أحد أفراد طاقمها الدبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه، من دون إلزامها ببيان الأسباب. ويترتب على ذلك أن تستدعي الدولة الموفدة الشخص أو تنهي وظائفه لدى البعثة.
والأصل أن persona non grata تنهي المركز الدبلوماسي، لكنها لا تعني، بذاتها، أن الشخص يصبح فاقداً لكل حق في الوجود على أراضي الدولة. فقد يتحول، من حيث المبدأ، إلى أجنبي عادي يخضع لقوانين الدخول والإقامة الوطنية.
لكن هذا التمييز لا يحسم قضية شيباني، لأن الدولة اللبنانية، بحسب إعلان وزارة الخارجية، لم تكتفِ بسحب الموافقة على اعتماده وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، بل طالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية.
وهنا تنتقل المسألة من نطاق العلاقات الدبلوماسية إلى نطاق آخر: هل أصبح وجود الشخص نفسه في لبنان غير جائز بقرار نافذ من الدولة؟

صلاحية الأمن العام في الإقامة
لا شك في أن المديرية العامة للأمن العام تتمتع باختصاص قانوني أصيل في مسائل دخول الأجانب وإقامتهم وخروجهم. وقد أناطت بها النصوص صلاحيات مباشرة في منح وتمديد الإقامات، كما منحت المدير العام صلاحيات محددة في منح بعض أنواع الإقامات، ومنها إقامات المجاملة وفق الشروط القانونية.
ومن ثم، فإن القول إن المدير العام لا يستطيع منح إقامة إلا بموافقة وزير الداخلية لا يستند، بصورة مطلقة، إلى القانون. فالمدير العام يمارس اختصاصاً قانونياً خاصاً به، ولا يتحول إلى مجرد منفذ آلي لأوامر الوزير. غير أن وجود اختصاص لا يعني حرية استعماله بمعزل عن بقية النظام القانوني.
فالمدير العام، عندما يمنح إقامة، لا يمارس سلطة مستقلة عن الدولة اللبنانية، بل يمارس اختصاصاً إدارياً باسمها. وبالتالي لا يستطيع، باستعمال اختصاص مشروع في أصله، أن ينشئ وضعاً قانونياً يتناقض مع قرار آخر نافذ صادر عن الدولة في شأن الشخص نفسه.

ماذا لو كان قرار المغادرة نافذاً؟
لو أن وزارة الخارجية أعلنت شيباني شخصاً غير مرغوب فيه وسحبت الموافقة على اعتماده فقط، لكان من الممكن قانوناً التمييز بين المركز الدبلوماسي الذي انتهى، وبين مركزه كأجنبي الذي يخضع لقانون الإقامة. وكان يمكن عندئذ بحث ما إذا كان الأمن العام يملك صلاحية منحه إقامة جديدة بصفته مواطناً إيرانياً عادياً.
أما أن القرار اللبناني قد تضمن، إضافة إلى ذلك، إلزامه بمغادرة لبنان، فإن منح إقامة جديدة له يصبح مسألة مختلفة جذرياً. ذلك أن الإقامة ليست مجرد وثيقة منفصلة عن قرار المغادرة. فهي، في جوهرها، اعتراف قانوني بحق الأجنبي في البقاء داخل الأراضي اللبنانية خلال مدتها. وبالتالي، فإن منح إقامة لشخص صدر بحقه قرار نافذ بالمغادرة يؤدي عملياً إلى تعطيل الأثر التنفيذي لذلك القرار.
وهنا لا يعود الأمر متعلقاً بالسؤال “هل يستطيع المدير العام منح إقامة؟”، وإنما بالسؤال الأدق “هل يستطيع أن يمنحها في هذه الحالة بالذات؟” والجواب، إذا كان قرار المغادرة نافذاً ولم يُلغَ أو يُعدّل، يميل بوضوح إلى النفي.

هل يستطيع الأمن العام اعتبار شيباني “أجنبياً عادياً”؟
صحيح أن انتهاء صفته الدبلوماسية يجعله، من حيث المبدأ، خاضعاً للقواعد العامة المطبقة على الأجانب. لكن هذا التحول لا يمحو القرارات التي اتخذتها الدولة بشأن وجوده. فلا يجوز قانوناً استخدام المركز الجديد كأجنبي عادي للالتفاف على قرار سابق يقضي بمغادرته. وإلا أصبح بإمكان أي إدارة أن تعطل قراراً صادراً عن إدارة أخرى بمجرد إعادة توصيف المركز القانوني للشخص.
ومن هنا تبرز قاعدة مهمة في القانون الإداري، السلطة التقديرية لا تعني سلطة مطلقة. فالاختصاص التقديري يسمح للإدارة بالاختيار بين البدائل التي يجيها القانون، لكنه لا يسمح لها باختيار بديل يناقض قراراً نافذاً أو يحقق غاية تتعارض مع النظام القانوني.
وعليه، فإذا كان منح الإقامة قد صدر بعد قرار المغادرة بقصد إبقاء شيباني في لبنان، فقد تثار بشأنه، إضافة إلى مخالفة القرار السابق، مسألة الانحراف في استعمال السلطة، أي استعمال اختصاص قانوني مشروع للوصول إلى نتيجة غير مشروعة.

وماذا عن وزير الداخلية؟
لا يعني ذلك أن وزير الداخلية يستطيع، في كل الأحوال، أن يلغي بقرار شخصي أي قرار يصدر عن المدير العام. فمتى منح القانون المدير العام اختصاصاً أصيلاً، يجب احترام قواعد الاختصاص وآليات سحب القرار أو إلغائه.
لكن الوزير، بوصفه السلطة الإدارية التي ترتبط بها المديرية العامة للأمن العام، يملك صلاحيات الإشراف والتوجيه والرقابة ضمن الحدود القانونية. كما أن القرار الإداري المخالف للقانون يمكن إخضاعه للآليات القانونية المناسبة، بما فيها الرقابة القضائية أمام القضاء الإداري. والفارق مهم بين إلغاء قرار المدير العام وفق الأصول وبين أن يحل الوزير محل المدير العام في ممارسة اختصاصه.

وعليه، يمكن اختزال الموقف القانوني في أربع خلاصات مترابطة:
أولاً: إعلان persona non grata ينهي، في الأصل، الصفة الدبلوماسية ولا يؤدي بذاته بالضرورة إلى منع الشخص من الإقامة بصفته أجنبياً عادياً.
ثانياً: إذا اقتصر القرار اللبناني على رفض الاعتماد، يبقى من الممكن قانوناً بحث أهلية الشخص للإقامة وفق قانون الأجانب وصلاحيات الأمن العام.
ثالثاً: إذا تضمن القرار، كما أعلن رسمياً في حالة شيباني، إلزامه بمغادرة الأراضي اللبنانية، فإن المسألة تتغير، إذ يصبح وجوده نفسه موضوع قرار إداري نافذ، وليس مجرد صفته الدبلوماسية.
رابعاً: إذا منح الأمن العام إقامة جديدة بعد صدور قرار المغادرة، من دون أن يكون القرار الأول قد أُلغي أو عُدّل من السلطة المختصة، فإن القرار الجديد يكون عرضة جدياً للإبطال لمخالفته الأثر القانوني لقرار سابق نافذ، وربما لعيب الانحراف في استعمال السلطة. ولا ينقذ القرار القول إن المدير العام يملك، في الأصل، صلاحية منح الإقامات، لأن الاختصاص المشروع لا يبيح إصدار قرار يناقض التزاماً قانونياً نافذاً للدولة.

لذا، فإن المسألة ليست صراعاً بين وزير ومدير عام، ولا اختباراً لمن يملك “الكلمة الأخيرة”. إنها مسألة وحدة القرار الإداري للدولة، لا يجوز لجهاز من أجهزة السلطة التنفيذية أن ينشئ، من خلال اختصاصه الخاص، مركزاً قانونياً يناقض قراراً نافذاً للدولة في الموضوع نفسه.
وفي قضية شيباني تحديداً، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان المدير العام يستطيع منح إقامة لأجنبي إيراني، بل ما إذا كان يستطيع منحها لشخص كانت الدولة اللبنانية قد قررت، بصورة نافذة، أن يغادر لبنان. فإذا كان قرار المغادرة قائماً ولم يُسحب أو يُعدّل، فإن منح الإقامة لا يبدو مجرد ممارسة لاختصاص تقديري، بل يبدو تعارضاً بين قرارين إداريين للدولة نفسها، تكون الأولوية فيهما للقرار الذي يحكم بصورة مباشرة ومسبقة مركز الشخص وحقه في البقاء.