«بيروت تنتظر الإنجاز… ومخزومي يبحث عن موقع جديد؟»
بيروت لا تحتاج إلى من يشرح لأهلها حجم معاناتها. يكفي أن يسير البيروتي في شوارع مدينته، وأن ينظر إلى بنيتها التحتية وخدماتها وملف نفاياتها وحال طرقاتها، ليسأل سؤالاً بسيطاً: أين بلدية بيروت؟
مرّ أكثر من عام على الانتخابات
البلدية التي أوصلت لائحة «بيروت تجمعنا» إلى 23 مقعداً من أصل 24، في ائتلاف سياسي واسع كان النائب فؤاد مخزومي أحد أبرز أركانه، بل لعب دوراً أساسياً في الاتصالات التي سبقت تشكيل اللائحة التي ترأسها إبراهيم زيدان.
يومها، كانت الوعود كبيرة، والآمال أكبر.
أما اليوم، فالصورة التي يراها البيروتيون مختلفة تماماً.
رئيس البلدية نفسه يقولها: البنية التحتية مهترئة
لسنا أمام توصيف صادر عن خصم سياسي للبلدية.
في 17 تموز 2026، خرج رئيس بلدية بيروت إبراهيم زيدان بنفسه ليقول إن البنية التحتية في العاصمة مهترئة وتحتاج إلى معالجة شاملة، كاشفاً في الوقت نفسه أن البلدية لا تملك فريقاً متكاملاً لتنفيذ المشاريع، وأنها مضطرة إلى اللجوء إلى المتعهدين لتنفيذ الأعمال.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
بعد أكثر من عام على انتخاب المجلس، هل يكفي أن يعرف البيارتة أن البنية التحتية مهترئة؟
هم يعرفون ذلك كل يوم.
المطلوب من البلدية ليس تشخيص المرض فقط، بل علاجه.
والنفايات؟ لا تزال تبحث عن «الخطة»
ملف النفايات ليس تفصيلاً في مدينة بحجم بيروت.
ومع ذلك، قال رئيس البلدية في المقابلة نفسها إن الملف «شائك منذ فترة طويلة» وإن البلدية ستعمل على وضع الخطة السليمة لمعالجته. وبعد ثلاثة أيام فقط، احتاج الملف إلى اجتماع في السراي الحكومي برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، وبمشاركة وزيري الداخلية والبيئة، وعدد كبير من نواب بيروت، والمحافظ، ورئيس البلدية، ورئيس الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة.
ثم، في نهاية تموز، انفجرت الخلافات داخل البلدية حول مستقبل معمل الكرنتينا، مع اقتراب انتهاء عقود إدارة النفايات، فيما أفادت تقارير بأن المجلس لم يكن قد توصل إلى رؤية موحدة لهذا الملف.
عاصمة بحجم بيروت لا تستطيع أن تعيش على عبارة «سنضع خطة».
الناس تريد أن تعرف: أين الخطة؟ متى يبدأ التنفيذ؟ ومتى تظهر النتائج؟
1800 عقار… والسؤال عن الاستثمار
حتى ممتلكات البلدية تفتح باباً آخر للأسئلة.
زيدان كشف أن البلدية تمتلك ما لا يقل عن 1800 عقار كانت من دون خطة اقتصادية لاستثمارها والاستفادة منها، معلناً توقيع اتفاقية مع نقابة المهندسين لتفعيل هذا الملف.
ومن الإنصاف القول إن هذه المشكلة موروثة وليست من صنع المجلس الحالي.
لكن بعد مرور أكثر من سنة، يصبح من حق أهل العاصمة أن يسألوا عن النتائج: ماذا تحقق؟ كم عقاراً جرى حصره وتقييمه؟ وما الإيرادات التي يمكن أن تعود على المدينة؟
فبيروت ليست مدينة فقيرة بالموارد، بل مدينة تحتاج إلى إدارة قادرة على تحويل مواردها إلى خدمات.
والمجلس الذي جاء «ليجمعنا» غرق في خلافاته
المفارقة أن اللائحة حملت اسم «بيروت تجمعنا»، لكن تقارير عدة تحدثت لاحقاً عن انقسامات وخلافات داخل المجلس انعكست على عمله، فيما تحولت بعض الملفات الأساسية إلى ساحات اشتباك سياسي بين مكونات الائتلاف نفسه.
وهنا أيضاً لا يحتاج المواطن إلى معرفة مَن اختلف مع مَن.
المواطن يريد شارعاً صالحاً، ونفايات تُعالج، وبنية تحتية تُصلح، وإدارة تعمل.
خلافاتكم شأنكم… بيروت مسؤوليتكم.
وهنا نصل إلى فؤاد مخزومي
لا يمكن فصل هذه التجربة عن القوى السياسية التي صنعت الائتلاف البلدي ودعمته.
فمخزومي لم يكن متفرجاً على انتخابات بلدية بيروت. تقارير مرحلة تشكيل اللوائح وصفته بأنه تولّى تنسيق الاتصالات مع الأطراف المشاركة في الائتلاف، فيما كان إبراهيم زيدان على رأس اللائحة التي حظيت بدعم سياسي واسع.
حتى إن تقارير صحافية ذهبت يومها إلى أبعد من ذلك، وتحدثت عن الدور الحاسم لمخزومي في اختيار زيدان لرئاسة البلدية.
ومن هنا، لا يمكن لمن شارك في صناعة الخيار أن يتصرف اليوم وكأن نتائج التجربة لا تعنيه.
من يطلب ثقة الناس عند اختيار الأسماء، عليه أن يتحمل أمامهم أيضاً مسؤولية السؤال عن النتائج.
وبعد كل هذا… اتحاد العائلات؟
وهنا تصبح المفارقة أكبر.
ففي الوقت الذي لا تزال فيه بيروت تواجه كل هذه الملفات، تعود الأنظار إلى النائب فؤاد مخزومي مع الحديث عن دعمه بسام نعماني، قريب زوجته، في استحقاق رئاسة اتحاد جمعيات العائلات البيروتية.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بشخص بسام نعماني ولا بأهليته، بل بالمنهج السياسي نفسه:
إذا كانت التجربة التي شارك مخزومي في صناعتها في بلدية بيروت لم تستطع حتى الآن أن تقدم للبيارتة نموذج الإنجاز الذي وُعدوا به، فلماذا الانتقال إلى موقع بيروتي آخر؟
إذا لم تُحل أزمة النفايات…
إذا كانت البنية التحتية، باعتراف رئيس البلدية نفسه، لا تزال مهترئة…
إذا كانت البلدية تعاني نقص القدرة التنفيذية…
وإذا كانت الخلافات قد وصلت إلى ملفات حيوية داخل المجلس…
فهل الأولوية اليوم هي البحث عن نفوذ جديد في اتحاد العائلات، أم إنقاذ التجربة القائمة أولاً؟
البيارتة لا يحتاجون إلى تجربة ثانية
اتحاد جمعيات العائلات البيروتية ليس جائزة ترضية سياسية، ولا محطة إضافية لتوسيع دائرة النفوذ.
إنه مؤسسة تحمل اسم عائلات بيروت، ومن المفترض أن تجمعها وأن تعبّر عنها باستقلالية، لا أن تتحول إلى امتداد لأي نائب أو زعيم أو مشروع انتخابي.
ولذلك، قبل أن يُطلب من البيارتة أن يثقوا بخيار جديد، يحق لهم أن يفتحوا دفتر الخيار السابق.
ماذا تحقق في البلدية؟
ماذا أُنجز؟
أين المشاريع؟
أين الحلول؟
وأين أصبحت الوعود؟
المحاسبة ليست استهدافاً، والسؤال عن الإنجاز ليس خصومة سياسية.
من يريد أن يختار لبيروت غداً، عليه أولاً أن يشرح للبيروتيين ماذا فعلت خياراته بالأمس.
أما أن تبقى العاصمة غارقة في أزماتها، ثم تنتقل المعركة من البلدية إلى اتحاد العائلات وكأن شيئاً لم يكن، فذلك يستحق أكثر من علامة استفهام.
بيروت لا تحتاج إلى مزيد من الأسماء.
بيروت تحتاج إلى نتائج.
وإذا كانت كل هذه الملفات لم تجد طريقها بعد إلى الحل في البلدية، فربما السؤال الذي يجب أن يُطرح قبل التفكير باتحاد العائلات هو:
ماذا فعلتم ببيروت أولاً؟


