كلما طالعت كتابا عن الحرب الكونية الاولى (1914- 1918) وما رافقها من جراد وجوع وسخرة وأمراض معدية فتاكة قضت على ما بين ال 185 إلى 220 الف نسمة في جبل لبنان، اي ما يقارب نصف سكانه إلا القليل، تعود بي الذاكرة إلى بلدتي الكفور التي قضى منها ما يناهز ال250 شهيدا من خيرة شبابها ،ومن كل عائلاتها تقريبا. ومن لم يمت جوعا في منزله قضى على قارعة الطريق، ولم يتسن معرفة جثث البعض منهم. وثمة من قضى بالاوبئة الفتاكة كالطاعون والتيفوس، أو تسمما. وهناك أخبار تقشعر لها الابدان، وتشيب رؤوس الاطفال: أخوة لجأوا إلى المياتم وماتوا فيها من دون أن يعلم ذووهم شيئا عن مصيرهم، إلى أن وضعت الحرب اوزارها. ولم يهتدوا إلى الامكنة التي دفنوا فيها. في مواجهة هذه الاهوال والمآسي، سطر كفوريون أبطال صفحات مجيدة في سجل التاريخ، من خلال تصديهم الشجاع للجيش العثماني واسهامهم في كسر حصار الجوع والمرض الذي فتك بابناء جلدتهم،بإشراف الطوباوي مار إلياس بطرس الحويك، والخوري بولس عقل ( المطران في ما بعد). من هؤلاء الابطال يوسف إلياس كرم الذي جندته فرنسا بواسطة بشاره البواري ليكون صلة الوصل مع ارواد حيث مقر قيادتها البحرية في المتوسط ، التي عهدت اليه التواصل مع الحويك عبر الخوري عقل لنقل البريد والاموال المرسلة من المغتربين إلى ذويهم، والى بكركي حيث أمر البطريرك بانفاقها في شراء الطحين والادوية، فتح المياتم التي تولت توزيع الخبز وما تيسر من مؤن ووجبات طعام والبسة نقلها الصليب الاحمر الأميركي.ويوسف كرم ، شقيق المونسيور يوحنا كرم صاحب الأيادي البيضاء على الكفور والكفوريين، كان نجارا ماهرا،نزح من بلدته إلى البوار وسكن فيها وتزوج وانجب، وأطلق عليه لقب :” يوسف النجار” ، ولم يقطع صلته ببلدته الام، فلديه فيها العديد من الاملاك، فيما أحد اولاده: إلياس كان قيده الانتخابي في الكفور، وكان رئيسا لقسم كتائب فيها، وتزوجت كريمته ماري من ابن عمها يوسف حنا إلياس كرم (ابو يعقوب)، وفي المذكرات الصادرة عن تلك الفترة فصولا عقدت عن بطولات هذا الكفوري الذي لقب في المراسلات الواردة اليه والصادرة عنه باسم ( جواني) ،كما صادف اهوالا كادت تجهز عليه وتعدمه الحياة. وبرغم انه لم يكن متعلما كان خارق الذكاء ،سريع البديهة، يحسن التدبر، إضافة إلى قوة بدنية، معطوفة إلى شجاعة موصوفة.وقد تولى مهمات جساما في إيواء مقاومين للعثمانيين، وإيصال ما ينبغي إيصاله من معلومات دقيقة إلى الفرنسيين وبكركي. حتى أنه إستعان بزوج شقيقته نجيب روحانا ( اليحشوشي) من الكفور الذي افتتح له محلا في طبرجا ومن ثم في نهر ابراهيم ليخبيء فيها ما يرسل اليه من ارواد من أموال ومواد ،قبل أن تنتقل ليد الخوري بولس عقل. وقد اضطر إلى إعادة نجيب وعائلته إلى بلدته بعد تحسسه بأن ثمة خطرا يترصده. كذلك ،فقد قتل جندي عثماني من حرس الشواطيء كان يمر من أمام الميناء الصخرية الماجهة لبيته في البوار واخفى جثته ، ولم تتمكن السلطات من معرفة المكان التي دفنت فيها. ويوسف كرم الذي كان يعاونه رهط من شباب العقيبه والبوار أمثال سمعان الراعي، جرمانوس البواري اللذين يحسنان قيادة السفن والسباحة، ويتميزان بالشجاعة والذكاء تعرض لمواقف محرجة كادت تودي به،منها أن جاره الخوري يوسف صقر كان يصطاد السمك ليلا لمحه وهو يعطي شارات ضوئية معينة لطراد فرنسي في عرض البحر استعدادا لاقترابه من الشاطيء، فاخبره بما شاهد وهدد باعلام السلطات في جونيه، فاكرمه يوسف بمبلغ من المال وكمية من الطحين، لكن الخوري المذكور إستخدم هذه الواقعة للإبتزاز شبه الدائم،ما دفع يوسف إلى اختطافه ونقله إلى جزيرة ارواد. لكن ” الخورية” التي قلقت على مصير زوجها الذي كان اعلمها بما شاهد، وكيف يمارس إبتزازه على جاره، هددته بفضح أمره وإقامة دعوى ضده، ما دفعه إلى اختطافها مع عائلتها الصغيرة والحاقها بزوجها. وفي” مذكرات ابراهيم إلياس كرم المجند في خدمة الانسانية ولبنان وفرنسا” تفاصيل مشوقة عن حادثة الخوري صقر. مع العلم ان إحد كاتبي هذا المؤلف استقى معلومات ذات أهمية مني لم يذكر مصدرها. وأن هناك علامات استفهام حول كيفية وصول المخطوطة إلى يد الاب سركيس الطبر، وكانت لدي واحدة كان ينقصها 11 صفحة لتكون مكتملة. وانطلق من ذلك لاشير إلى أن يوسف كرم لما ارهقه العمل، وثقلت عليه المهمات ،طلب من الفرنسيين تجنيد عناصر إضافية لاعانته في عمله، فكان له ما أراد وجند شقيقه ابراهيم ،وكان الاخير ذكيا ومثقفا ويتكلم الفرنسية وشديد الملاحظة، وعهدت اليه مهمات استخبارية. وقد توجه إلى رياق في البقاع وأنشأ شبكة من المخبرين لاستقاء المعلومات عن تحركات الجيشين العثماني والالماني، وعدد القطعات الحربية والاعتدة والاليات ومخازن الذخيرة والحال الاجتماعية. وكان يعتمد اساسا على سائقي القطارات الذين ينقلون اليه مشاهداتهم. وتخفى ابراهيم بزي بدوي، وكان يحمل سلة عليها أصناف السجائر :” الفلت” يبيعها للناس، بغرض التمويه. وكان دائم التجوال بين شتوره ورياق. ويذكر الدكتور خليل يوسف كرم من الكفور ( جد السفير خليل كرم وشقيقه المحامي جو) في مخطوطته انه إلتقى إبراهيم مرات عدة، وكان الدكتور كرم من بين الاطباء الذين أرغمهم الجيش التركي بقرار من الحاكم العرفي جمال باشا الجزار على الالتحاق بالجيش( بأسلوب السخرة) لطبابة أفراده وإجراء العمليات الجراحية لمصابيه. وكان الطبيب الشاب لا يبخل بالمعلومات على نسيبه وابن بلدته، وكان يعرف بأمر ما يضطلع به، فصان السر ،ولم يبح به.ومن يطلع على التقارير المفصلة التي كان يرسلها ابراهيم إلى القيادة الفرنسية، يتبين كم كان دقيق الملاحظة، ومالكا للمعطيات ، وقادرا على التمييز بين الغث والثمين ،الصادق والمزيف من المعلومات. يوسف وإبراهيم- برغم نشاطهما وتألقهما- وجدا أن خلية العمل بحاجة إلى شخصيات مدنية سياسية تتولى رعايتها وتغطيتها، وتتولى عمليات الاتصال السياسي،٨ وانفاق المال والتنسيق مع بكركي ،فرشحا نعوم باخوس عضو مجلس إدارة جبل لبنان الذي حله السفاح،وهو محام معروف ورجل أعمال ،وكان لهما ما ارادا. وباخوس هو غزيري الأصل نزحت عائلته إلى الكفور بفعل المصاهرة مع آل علام، واقتنت الاملاك والدور والحارات الانيقة ومنها المنزل العائلي الذي اشتراه رجل الأعمال فريدريك باز الذي سكنه لسنوات قبل أن يتحول إلى منتجع فخم أطلق عليه اسم ” انديرا”. وآل باخوس اندمجوا في البيئة الكفورية لا بالمصاهرة فحسب، بل بالمعايشة اليومية لأهل البلدة ومشاطرتهم همومهم، مؤدين لهم الخدمات. ولهم مدافنهم في مقابر البلدة، وللأسف، فإنه لم يتبق للعائلة من وريث يبقي ذكرها سوى نجل الدكتور مارسيل من نعوم بك المقيم حارج لبنان. قام نعوم باخوس بمهماته خير قيام مواجها الاخطار والوشايات، وكان له الاسهام البارز في ثبات أبناء الجبل على إيمانهم والبقاء على قيد الحياة ،من خلال إفتتاح المياتم ودور الإيواء والافران. نال نعوم بك، والإخوان الكرميان يوسف وإبراهيم أرفع الأوسمة من الدولتين اللبنانية والفرنسية، وظلوا على علاقة وثيقة ببكركي التي لم تنس فضلهم على لبنان والطائفة المارونية. لقد كان للكفوريين الدور البارز في النضال الوطني تلك الفترة،وهم من كانت لهم اليد الطولى في أنقاذ عشرات آلالاف من أبناء الجبل اللبناني من المجاعة .فليكن ذكرهم مؤبدا. حاشية: ابراهيم كرم الذي لم ينسل ولدا ومات من دون عقب، أوصت زوجته راحيل ،بموافقة عائلته، بوهب حارته الواسعة إلى بلدية الكفور .والبلدية قامت بتأجيرها إلى وزارة التربية الوطنية التي حولتها إلى مدرسة ثانوية أقفلت أخيرا. وفي الختام أسأل من من الكفوريين يعلم بهذه الوقائع. الرحمة للخوري يوسف نجيب ابي صعب الذي سرد بعضها في كتابه القيم عن تاريخ البلدة. حرام أن نتلهى بالعنعنات والنكايات، والتمسك بالمواقع ولو على حساب كل شيء، وننكفيء عن العمل الجماعي المسؤول لنهضة الضيعة، والإضاءة على تاريخها المشرف .والسلام على من إتبع الهدى.



