ليلة السقوط الغامض والمدويّ لنظام الأسد لم تنتهِ فصولها في الثامن من كانون الأول 2024، فالروايات حول مصير عشرات، بل مئات، الضباط والمسؤولين والعناصر السوريين الذين شغلوا أدوارًا مباشرة في المنظومة الأمنية المحيطة به، لا يزال الغموض يلفّها، رغم أن الوقائع أشارت إلى فرار العديد منهم إلى روسيا مع الرئيس المخلوع بشار الأسد. أما عن المسار الجغرافي لعملية الهروب، فقد كشفت التحقيقات اللاحقة أن العديد من هؤلاء تمكّنوا من عبور الأراضي اللبنانية مستخدمين جوازات سفر قانونية، بعضها بأسماء وهمية.
إلى جانب ما تقدّم، تتداول المعلومات عن وجود مئات من الضباط والعناصر السوريين الذين لجأوا إلى لبنان، وهم يقيمون بالفعل مع عائلاتهم في ظل حماية “حزبية” كانت حليفة للنظام السابق. ومن بين هؤلاء من تطاله عقوبات على خلفية اتهامات بتورطه في ارتكاب فظائع وعمليات تعذيب ممنهجة، ولا يزال قيد الملاحقة.
وفي مطلع العام الجاري، عُقد اجتماع أمني كبير بين أجهزة أمن البلدين، ترددت حينها معلومات عن أن “السلطات السورية طلبت من الأجهزة الأمنية اللبنانية تسليم أكثر من 200 ضابط كبير فرّوا إلى لبنان بعد سقوط بشار الأسد. وبحسب المعلومات المتداولة، تركز البحث خلال الاجتماع على جمع بيانات حول أماكن وجود هؤلاء الضباط وأوضاعهم القانونية، إلى جانب البحث في سبل محاكمتهم أو تسليمهم”. وقد وُصف اللقاء آنذاك بأنه “طلب مباشر من جهاز أمني إلى آخر، وليس طلبًا رسميًا بترحيلهم.”
وفي هذا السياق، لم يكن توقيف اللواء السوري المتقاعد عادل عيسى مؤخرًا في السفارة السورية في اليرزة مجرد تطور قضائي عابر. فالرجل الذي دخل إلى السفارة السورية لإنجاز أوراق رسمية، خرج منها موقوفًا لدى السلطات اللبنانية، وبذلك فُتح باب النقاش على مصراعَيه، والسؤال المحوري: هل بدأت مرحلة ملاحقة تلك الشخصيات السورية في لبنان، وما مدى استعداد القضاء اللبناني للخوض في هذا الملف؟
اللواء عيسى، حسبما يُتداول، وللمفارقة، لم يُوقَف بعملية أمنية معقّدة، بل داخل مؤسسة رسمية سورية في لبنان. إلا أن القضية اليوم تتجاوز شخص عيسى إلى ما هو أبعد، إذ تُعتبر سابقة قضائية تفتح الباب أمام تساؤلات جدّية: كم ضابطًا سوريًا سابقًا دخل لبنان خلال الفترة الماضية؟ وما هي أوضاعهم القانونية؟ وهل توجد ملفات بحق بعضهم لم تصل بعد إلى القضاء اللبناني؟
أوساط أمنية متابعة لفتت عبر “ليبانون فايلز” إلى أن الثابت حتى الآن عدم وجود معلومات حول لائحة توقيفات رسمية ومعلنة بهذا الشأن. كما أن القضاء اللبناني لم يتعامل مع القضية من منطلق سياسي، ولم يُسلّم الضابط المتقاعد عيسى إلى دمشق، بل طلب “ملفّه السوري” و”الأدلة والاتهامات الموجّهة إليه” قبل اتخاذ أي قرار.
والأخطر في المسألة، بحسب الأوساط عينها، أن لبنان قد يجد نفسه أمام حالات مشابهة، ولن يقتصر الأمر على عدد من الضباط المعروفين إعلاميًا، بل قد يمتد إلى أسماء كثيرة، من بينها مسؤولون أمنيون وشخصيات إدارية تدور حولها شبهات وملفات تتصل بجرائم حرب. وهؤلاء قد تتم ملاحقتهم أولًا، على خلفية الدخول والإقامة بصورة غير شرعية، فيما قد يحوّل التوسّع في هذه التوقيفات القضاء اللبناني إلى ساحة جديدة للصراع حول قضايا وملفات أمنية تتجاوز الحدود اللبنانية.
فهل سيكون توقيف اللواء عيسى حالة فردية وخاصة، أم أن لبنان اتجه إلى فتح باب مراجعة أوضاع شخصيات عسكرية وأمنية سورية موجودة على أراضيه؟
الإجابة لا تزال غير محسومة. فقد لا يكون توقيف عيسى نهاية قصة، بل بداية مرحلة اختبار حقيقية بين لبنان وملفات ضباط ومسؤولي النظام السوري السابق الموجودين على أراضيه.
خبر عاجل
-
قراءة في صحف اليوم
-
إطلاق مبادرة “استثمر في لبنان”: رؤية اقتصادية جامعة لحماية الاستثمار وتفعيل طاقات الاغتراب
-
فريد البستاني: إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف خطوة إيجابية ولو أتت متأخرة.. والعبرة في تسريع قانون الانتظام المالي لإعادة اموال المودعين
-
تنسيق أمني غير معلن.. هل بدأت ملاحقة ضباط الأسد في لبنان؟ (هيلدا المعدراني)
-
رحل صاحب “القلب الطيب” (بقلم ناجي شربل)



