الأمن: الخلاص آتٍ لدماء مهدورة.. العميد الركن شربل فرام:

مرحلةٌ ضبابية تلوّن مشهد اليوم وسط توقعات بانفراج كبير يقابلها قلقٌ بتصاعد خطير يهدّد الوطن

خلاصه آتٍ، بهذا العنوان صدر العدد الجديد لمجلة “الأمن” التي تصدرها المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. وكتب رئيس تحرير المجلة العميد الركن شربل فرام إفتتاحية العدد بعنوان “دماء مهدورة” وجاء فيها:

مرحلةٌ ضبابية تلوّن مشهد اليوم وسط توقعات بانفراج كبير يقابلها قلقٌ بتصاعد خطير يهدّد الوطن.
وكأنّ هذا المشهد يتكرّر في تاريخنا الحديث لأنّنا تعوّدنا دائمًا على استقبال الفرح بغصّة ودموع.
وكأنّ الاعتياد على الموت وعلى الألم صار واقعًا نعيشه في تفاصيل حياتنا اليومية.
ما يهدّد الإنسان في كلّ المجتمعات أن يفقد قيمته ويُختصر في رقمٍ على لائحة الضحايا أو رقم في إحصائية. الإنسان يصبح رقمًا، النزوح يصبح رقمًا، البيوت المهدّمة تصبح رقمًأ. وننسى أنّ هذه الأرقام هي الوجه الآخر لتاريخ وحكايات وعائلات وأحلام.
خلف كل رقم حياةٌ كاملة؛ أمّ تنتظر، وأبٌ يحلم بمستقبل أبنائه، وطفلٌ كان ينتظر أن يكبر، وشابٌ كان يخطط لغدٍ لم يأتِ. وحين تختزل المأساة في رقم، فإننا لا نفقد فقط القدرة على الحزن، بل نفقد جزءاً من إنسانيتنا.
أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمعات ليس أن تزداد أعداد الضحايا، بل أن تعتاد على ارتفاعها من دون أن نحاسب من كان مسؤولًا عن اعتماد ثقافة الموت سبيلا.
المرحلةُ الراهنة هي مرحلةٌ مصيرية في تاريخ لبنان الحديث وتستدعي خطابًا وطنيًا جامعًا.
المفهوم الصحيح هو مفهوم الدولة بوصفها المرجع الوحيد القادر على حماية المواطنين وصون السيادة وتطبيق القانون.
في كلّ مرة تُراق فيها الدماء ، يبرز سؤال: إلى أين تمضي الأوطان حين تصبح الدماء لغة الواقع، ويغدو الانتحار بديلاً عن الخلاص؟ فالدم الذي يُهدر يصيب الوطن بمكوّناته كافة.
إن الدماء المهدورة ليست مجرّد ضحايا سقطوا في ساحات المواجهة، بل هي رمز لتشتت القرار الوطني، وارتهان بعض القوى لحسابات تتجاوز حدود الدولة. وعندما تتقدّم الولاءات والرهانات على المصلحة العامة، يصبح الوطن ساحةً لتصفية الحسابات، ويدفع المواطن الثمن من أمنه واستقراره ومستقبله.
بناءُ الدول لا يقوم على منطق القوة، بل على قوة القانون، ولا يستقيم في ظلّ سلاح غير شرعي أو خطاب تحريضي، وإنما عبر مؤسسات شرعية قادرة على احتضان جميع المواطنين، وترسيخ العدالة، وصون الحقوق، وحماية السيادة. فالدولة القوية هي التي تحتكر القرار الأمني والسياسي.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحّة إلى مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لفكرة الدولة القوية، فالأوطان تقوم بإرادة واحدة عنوانها احترام الدستور والمؤسسات.
إن الدماء المهدورة يجب أن تكون آخر فصل وآخر مشهد. فحماية الوطن تبدأ بحماية الإنسان، وحماية الإنسان تبدأ بإعلاء قيمة الحياة فوق كل الحسابات،.
المستقبل لا يكون إلا بدولة قادرة على جمع أبنائها تحت راية واحدة، حيث يكون الولاء للوطن أولاً وأخيراً.