عصام شلهوب
تتشابك خيوط السياسة اللبنانية كلما اقتربت من ملف العلاقة مع إسرائيل، فيعود إلى الواجهة شبح اتفاق 17 أيار 1983 بوصفه تجربة لم تُطوَ فعليًا بقدر ما تغيّرت أشكالها. فذلك الاتفاق الذي وُقِّع في ظل الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982 لم يكن مجرد وثيقة سياسية عابرة، بل تعبيرًا عن لحظة اختلال عميق في ميزان القوى، حيث كانت الدولة اللبنانية، الخارجة من أتون الحرب الأهلية اللبنانية، تفاوض تحت ضغط عسكري مباشر، فيما كان الجنوب، بمساحات واسعة قاربت مئات الكيلومترات المربعة، واقعًا تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة، ما جعل أي تفاوض أقرب إلى استجابة لإكراه ميداني منه إلى قرار سيادي مكتمل.
في تلك اللحظة، اندفع لبنان الرسمي، بقيادة الرئيس أمين الجميّل، إلى توقيع اتفاق يُنهي حالة الحرب مع إسرائيل بصيغة ملتبسة، لا تعلن السلام صراحة لكنها تمهّد له عبر ترتيبات أمنية وانسحاب مشروط، في إطار رعاية أميركية واضحة. غير أن ما بدا تسوية ممكنة على الورق، سرعان ما اصطدم بحقائق أعمق من نصوصه، إذ لم يكن القرار اللبناني حرًا بما يكفي لحمايته، ولا البيئة الإقليمية مستعدة لقبوله. فقد نظر حافظ الأسد إلى الاتفاق باعتباره تهديدًا استراتيجيًا لنفوذ سوريا في لبنان وخروجًا عن معادلة الصراع العربي–الإسرائيلي، فكان الاعتراض السوري حاسمًا، سياسيًا وميدانيًا، وترافق بإملاءات ، لرفض داخلي واسع من قوى لبنانية رأت في الاتفاق استسلامًا مقنّعًا. وهكذا لم يسقط اتفاق 17 أيار لأنه ضعيف قانونيًا، بل لأنه كان بلا مظلة حماية إقليمية، فسقط عام 1984 تحت ضغط مركّب من الداخل والخارج، وبفعل ميزان قوى لم يسمح له بالبقاء.
بعد أربعة عقود، يعود النقاش بصيغة مختلفة ظاهريًا مع مسار التفاوض المباشر أو غير المباشر، كما تجلّى في اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل 2022، حيث لا يُطرح السلام كعنوان، بل تُقدَّم المفاوضات كأداة تقنية لحل نزاعات محددة، كترسيم الحدود أو استثمار الموارد. غير أن هذا التحول في الشكل لا يلغي استمرارية المعضلة نفسها، فلبنان اليوم لا يعيش تحت احتلال شامل كما في الثمانينيات، لكنه أيضًا لا يمتلك قرارًا سياديًا موحّدًا، إذ يتوزع بين مؤسسات الدولة من جهة، وقوى الأمر الواقع من جهة أخرى، وفي مقدمتها حزب الله، الذي فرض معادلة ردع مع إسرائيل وجعل أي تفاوض محكومًا بسقف القوة لا بنصوص القانون وحدها.
المفارقة الأبرز أن بعض القوى التي عارضت اتفاق 17 أيار وأسهمت في إسقاطه، تجد نفسها اليوم، بشكل أو بآخر، داخل مشهد تفاوضي، ولو من خلف ستار أو ضمن شروط مختلفة، ما يعكس تحوّلًا في الأدوات لا في الثوابت. فالتفاوض الذي كان يُرفض مبدئيًا بوصفه تنازلًا، بات يُقبل جزئيًا حين يُقدَّم كوسيلة لتحصيل الحقوق، لا كمدخل إلى تسوية سياسية شاملة. ومع ذلك، يبقى هذا المسار مطوّقًا بانقسامات داخلية حادة حول معناه وحدوده، إذ يرى فيه فريق ضرورة لحماية المصالح الوطنية، بينما يخشى فريق آخر أن يتحول تدريجيًا إلى مسار تطبيعي مقنّع.
إقليميًا، لم يعد الاعتراض يُمارس بالصخب ذاته الذي رافق إسقاط اتفاق 17 أيار، حين قادت سوريا المواجهة بشكل مباشر، لكن ذلك لا يعني غيابه، بل تحوّله إلى صيغة أكثر تعقيدًا. فإيران، الداعم الأساسي لمحور المقاومة، لا تعارض التفاوض التقني بحد ذاته، لكنها تضع له سقفًا صارمًا يمنع انزلاقه إلى اعتراف سياسي كامل، فيما تحتفظ سوريا، رغم تراجع دورها، بموقف مبدئي رافض لأي مسار يُخرج لبنان من دائرة الصراع. في المقابل، اتجهت بعض الدول العربية إلى مقاربة أكثر براغماتية، ما خفف من حدّة الضغط الإقليمي المباشر، من دون أن يلغي تأثيره غير المباشر على القرار اللبناني.
بين لحظة 17 أيار ولحظة التفاوض الراهنة، تتغير الأدوات وتبقى المعادلة. فلبنان يتفاوض دائمًا تحت ضغط واقع ميداني، سواء كان احتلالًا مباشرًا أو توازن ردع، ويظل قراره محكومًا بتقاطعات الداخل والخارج، فيما يبقى أي مسار تفاوضي بلا إجماع وطني عرضة للاهتزاز. وإذا كان اتفاق 17 أيار قد سقط لأنه وُلد في بيئة معادية له داخليًا وإقليميًا، فإن التفاوض اليوم لا يواجه الرفض ذاته، لكنه يسير في حقل ألغام سياسي، حيث القبول به مشروط، واستمراره مرهون بميزان دقيق بين القوة والسياسة.
في المحصلة، لا يكمن الفارق الحقيقي بين التجربتين في كون إحداهما اتفاقًا والأخرى تفاوضًا، بل في أن كليهما يعكس سؤالًا لم يُحسم بعد: هل يملك لبنان قراره السيادي الكامل ليختار مسار علاقته مع إسرائيل، أم أنه لا يزال ساحة تتقاطع فوقها إرادات الداخل والخارج، فتُرسم حدوده السياسية كما تُرسم حدوده الجغرافية؟



