نجيب زوين
“قلّو ليه عم تنفخ اللبن؟ قلّو لانو كاويني هو وحليب”!
ينطبق هذا المثل اللبناني، بكل ما يحمله من دلالات، على علاقة اللبنانيين بحزباللا منذ نشأته . فمن أزمة إلى أخرى، ومن مصيبة إلى ما هو أشدّ منها، يدفع لبنان واللبنانيون أثمان مشروع لم يجلب للبلاد سوى الحروب والدمار والتهجير، وكرّس واقعاً شاذاً يقوم على وجود سلطة مسلّحة تنازع الدولة قرارها وصلاحياتها.
إنها ليست حكاية حفرة في منطقة الفنار – الزعيترية، ولا خلافاً تقنياً حول طبيعة أعمال حفر أو إنشاء نفق. إنها قضية تتجاوز المكان إلى جوهر المشكلة اللبنانية: هل نحن أمام دولة واحدة تحكم أرضها بقوانينها ومؤسساتها، أم أمام تنظيم مسلّح يقرّر بنفسه ما يحق له فعله، وأين يتحرك، ومتى يحمل السلاح، ومتى يستخدمه؟
ميليشيا تتسمّى حزباً
حزباللا، في نظر القانون، تنظيم مسلّح غير شرعي يتجاوز سلطة الدولة ويمارس أدواراً أمنية وعسكرية خارج الأطر الدستورية والقانونية. وتسميته حزباً لا تغيّر من طبيعة هذه المشكلة شيئاً؛ فالحزب السياسي، في الدولة الطبيعية، يتنافس على البرامج والخيارات عبر المؤسسات، ولا يحتفظ بترسانة مستقلة تفرض إرادته على المواطنين والدولة.
والأكثر إيلاماً أن التنظيم يتخذ من الدين عنواناً لخطابه، فيما تقوم التعاليم الدينية، في جوهرها، على السلام والمحبة والمسامحة. وهي قيم يصعب التوفيق بينها وبين ثقافة الموت والترهيب والتهديد، متى ثبتت ممارستها باسم الدين أو تحت غطائه.
ولولا التاريخ المثقل بالاغتيالات والدماء والتهديدات المنسوبة إلى هذا التنظيم، لما تحوّلت قضية نفق في الزعيترية إلى سجال سياسي وإعلامي بهذا الحجم. فالمشكلة ليست في الحفرة وحدها، بل في انعدام الثقة الذي راكمته سنوات من التصرفات التي جعلت اللبنانيين يتساءلون، كلما ظهر موقع محصّن أو مخزن أو نفق جديد: ما وظيفته؟ ومن أنشأه؟ ولأي غرض؟ وهل يخضع لسلطة الدولة ورقابتها؟
الزعيترية ليست منجم ذهب!
إذا كان النفق المكتشف في الزعيترية مجرد منشأة عادية، فلماذا كل هذا الاستنفار؟ لقد بلغت المبالغات في تبرير ما يجري حداً يثير الاستغراب، فيما المطلوب بسيط وواضح: أن تكشف الجهات المختصة حقيقة المنشأة، وطبيعة استخدامها، والجهة التي أنشأتها، ومدى قانونية الأعمال التي أُجريت فيها. فلا يجوز أن تتحول كل حفرة إلى قضية محظورة على الدولة، ولا أن يصبح السؤال عن الأمن والسلامة العامة اعتداءً على جماعة أو استهدافاً لمنطقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نحن أمام حالة معزولة، أم أمام امتداد لنمط من الأنفاق والمنشآت المحصّنة في مناطق أخرى يوجد فيها حضور للتنظيم؟ لا يجوز استباق التحقيق، لكن لا يجوز أيضاً إسكات الأسئلة المشروعة. وحده التحقيق المهني والشفاف، بإشراف السلطات المختصة، يستطيع وضع حد للتكهنات وكشف الحقيقة كاملة.
السلاح والتهديدات وغياب الدولة
لا يمكن فصل قضية الزعيترية عن مشهد أوسع يتضمن تهديدات سياسية، ونقل متفجرات، وعن تحركات لعناصر مسلّحة، فضلاً عن مخاوف من توزيع أسلحة فردية على مناصرين أو تهيئة الأرضية لتكرار أحداث شبيهة بالسابع من أيار.
هذه مسائل خطيرة لا يجوز التعامل معها بالشائعات، كما لا يجوز تجاهلها. المطلوب أن تتحقق الأجهزة الأمنية والقضائية من كل معلومة، وأن تعلن نتائج تحقيقاتها للرأي العام، وأن تحاسب كل من يثبت تورطه، أياً تكن هويته أو موقعه السياسي.
أما أن يتصرف حزباللا على أساس أن حمل السلاح والتنقل به حق خاص لا يخضع لقرار الدولة، فذلك جوهر الأزمة. فلا توجد سيادة انتقائية، ولا أمن على القياس، ولا يجوز لأي تنظيم أن يقرر وحده متى يحترم القانون ومتى يتجاوزه.
إن الدولة التي لا تستطيع معرفة ما يجري على أرضها، أو التحقيق في منشأة يُشتبه في استخدامها لأغراض أمنية، أو منع نقل السلاح غير القانوني، لا تكون قد استكملت سيادتها. والسيادة تُقاس بقدرة المؤسسات على فرض القانون بالتساوي على الجميع.
هل يريدون للبنان أن يستدعي الحرب من جديد؟
لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً للحروب والصراعات التي زُجّ فيها، وللسلاح الذي بقي خارج القرار الوطني. فكم من قرية دُمّرت، وكم من عائلة تهجّرت، وكم من لبناني فقد حياته أو بيته أو مصدر رزقه، فيما بقي السؤال الأساسي بلا جواب: من يملك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم؟
ألم تكفِ البلاد نتائج المواجهات السابقة وما خلّفته من دمار وخسائر بشرية ونزوح وانهيار اقتصادي؟ وهل المطلوب أن يستمر لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وأن يبقى شعبه رهينة قرارات لا يشارك في اتخاذها؟
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن الدور الإيراني في دعم حزباللا وتسليحه وتوجيه خياراته، في وقت تعيش فيه المنطقة توترات وصراعات تتجاوز حدود لبنان. إن العلاقة بين الدول يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشروعة، لا على تحويل بلد مستقل إلى ساحة نفوذ أو أداة في صراعات الآخرين.
لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن لبنان ليس ملكاً لمحور، ولا ورقة تفاوض، ولا قاعدة عسكرية لمشروع إقليمي. لبنان وطن لجميع أبنائه، وقراره يجب أن يصدر عن مؤسساته الدستورية، لا عن أي قيادة حزبية أو جهة خارجية.
هل يُراد تكرار السابع من أيار؟
إن الحديث عن تحركات عناصر حزباللا من الجنوب نحو الضاحية الجنوبية وبيروت، وعن وصول قيادات إيرانية وعناصر مرتبطة بالحرس الثوري إلى لبنان، (كيف دخلوا؟؟؟) وعن توزيع أسلحة على المناصرين، يفرض على الدولة التعامل مع هذه الوقائع بجدية ومسؤولية، والتحقق منها عبر الأجهزة المختصة.
لا يحق لأحد أن يهيّئ البلاد لمواجهة داخلية، ولا أن يلوّح بالقوة في وجه المؤسسات الشرعية. وما جرى في السابع من أيار 2008 يجب أن يبقى درساً قاسياً في مخاطر استخدام السلاح في الداخل، لا نموذجاً يُستعاد أو تهديداً يُستخدم لابتزاز الدولة والمجتمع.
والمؤسف أن بعض اللبنانيين ما زالوا يتعاملون مع هذه الوقائع وكأنها لا تعنيهم، أو كأن غضّ النظر عن السلاح غير الشرعي يمكن أن يحميهم من نتائجه. لكن التجربة أثبتت أن تجاهل المشكلة لا يلغيها، وأن السكوت عن تجاوزات اليوم قد يفتح الباب أمام أثمان أكبر غداً.
لا سلاح فوق سلطة الدولة
على حزباللا، ومن خلفه إيران، أن يدركا أن لبنان دخل مرحلة لا يمكن أن تستمر فيها ازدواجية السلطة والقرار والسلاح. فالمواجهة ليست بين طائفة وطائفة، ولا بين منطقة وأخرى، بل معركة بين منطق الدولة ومنطق فرض الإرادة بالقوة.
إن حق اللبنانيين في دولة تحميهم، وقضاء مستقل يحاسب المخالفين، وأجهزة أمنية وعسكرية تتولى وحدها مسؤولية الأمن، ليس مطلباً قابلاً للتفاوض أو التأجيل إلى أجل غير مسمى.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم واضح: كشف حقيقة نفق الزعيترية الفعلية، وإخضاع كل المنشآت لرقابة الدولة، والتحقيق في أي نقل غير قانوني للسلاح والمتفجرات ومصادرته، ومنع التهديد والترهيب، والعمل الجدي على إنهاء وجود السلاح غير الشرعي على كامل الأراضي اللبنانية، وفق خطة واضحة وآليات تنفيذية ومهل محددة.
لقد كُتب للبنان أن يكون دولة، لا مجموعة ساحات؛ وأن يكون شعبه صاحب القرار، لا رهينة قرارات الآخرين. وقد يتأخر تنفيذ هذا الاستحقاق، لكن لا يمكن بناء مستقبل لبنان على استمرار السلاح خارج الشرعية.
فإما دولة واحدة، بجيش واحد وقرار واحد وسلطة واحدة، كي لا نصل الى ابغض الحلال فاستمرار الدوران في حلقة الأزمات والدمار مرفوض. وزمن السلاح الذي يفرض نفسه على الدولة، فيجب أن ينتهي، اليوم قبل الغد.
21 تشرين الثاني 2026



