المحامي ميشال فلاّح
بعد نحو نصف قرن على وصول أول جنود الأمم المتحدة إلى جنوب لبنان، تحوّل السؤال من ماذا فعلت «اليونيفيل»؟ الى ماذا يحدث عندما ترحل؟
في القرار 2790 (2025)، حسم مجلس الأمن، وفق النص النافذ حالياً، مسألة زمنية بالغة الأهمية، تمديد ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، ثم بدء انسحاب منظم وآمن يفترض إنجازه خلال سنة. والأهم أن القرار طلب من الأمين العام استكشاف الخيارات التي تتيح استمرار تنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب القوة، بما فيها مراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني.
وهكذا يعود لبنان، بعد ثمانية وأربعين عاماً من إنشاء «اليونيفيل» بالقرارين 425 و426 لعام 1978، إلى سؤال عرفته دول كثيرة قبله،هل خروج القوة الدولية يعني انتهاء مهمتها، أم انتهاء النزاع الذي استدعى وجودها؟
التجارب الدولية تقول إن الأمرين ليسا واحداً.
السويس: عندما غادرت القوة وبقي النزاع
كانت «قوة الطوارئ الدولية الأولى» UNEF I، التي أنشئت عقب حرب السويس سنة 1956، أول تجربة حقيقية لقوات حفظ السلام المسلحة التابعة للأمم المتحدة. لم تكن قوة لفرض السلام بموجب المادة 42 من ميثاق الأمم المتحدة، بل قامت على موافقة الدولة المضيفة، ومهمتها الإشراف على انسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية ثم الفصل بين القوات المصرية والإسرائيلية.
نجحت في تحقيق قدر مهم من الهدوء لأكثر من عشر سنوات. لكن مصر سحبت موافقتها على وجود القوة في أيار 1967، فانسحبت الأمم المتحدة. وبعد أسابيع اندلعت حرب حزيران. والتوثيق الرسمي للأمم المتحدة لهذه التجربة يبيّن بوضوح أن القوة كانت موجودة بموافقة الدولة المضيفة، وأن سحب هذه الموافقة أدى إلى خروجها. الدرس كان قاسياً، القوة الدولية تستطيع تجميد الاحتكاك، لكنها لا تستطيع وحدها إزالة أسبابه السياسية.
البوسنة: حين لم تكن «القبعات الزرق» كافية
في يوغوسلافيا السابقة أنشأ مجلس الأمن، بالقرار 743 لعام 1992، قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة UNPROFOR. لكن الحرب البوسنية كشفت حدود نموذج حفظ السلام عندما لا يوجد، في الواقع، سلام مستقر يمكن حفظه.
وبعد اتفاق دايتون تبدلت المعادلة. في 20 كانون الأول 1995 انتهت مهمة UNPROFOR وانتقلت المسؤولية العسكرية إلى قوة التنفيذ المتعددة الجنسيات IFOR بقيادة حلف شمال الأطلسي، التي أجازها مجلس الأمن بالقرار 1031. أي إن الخروج لم يكن تركاً للفراغ، بل انتقالاً من نموذج دولي إلى نموذج دولي آخر أكثر ملاءمة للمرحلة الجديدة. ثم استمرت المؤسسات الدولية بصيغ أخرى، ومنها بعثة الأمم المتحدة في البوسنة والهرسك، قبل أن تنتقل بعض وظائفها لاحقاً إلى الاتحاد الأوروبي.
رواندا: وجود دولي لم يمنع الكارثة
التجربة المعاكسة تقريباً كانت رواندا. فقد أنشأ القرار 872 لعام 1993 بعثة UNAMIR للمساعدة في تنفيذ اتفاق أروشا ومراقبة وقف إطلاق النار. لكن وجود قوات دولية على الأرض لم يكن، بصلاحياتها وإمكاناتها والقرارات السياسية المحيطة بها، كافياً لمنع الإبادة الجماعية سنة 1994. انتهت ولاية البعثة في 8 آذار 1996 واكتمل انسحابها في نيسان، فيما انتقل الحضور الدولي إلى أدوات سياسية وقضائية وإنسانية أخرى.
وهنا يظهر درس ثانٍ، وهو أن وجود علم الأمم المتحدة لا يعني، بذاته، امتلاك القدرة القانونية والسياسية والعسكرية اللازمة لوقف الحرب. الولاية التي يمنحها مجلس الأمن، وقواعد الاشتباك، وإرادة الدول، وتعاون الأطراف، عوامل تحدد ما تستطيع القوة فعله فعلياً.
تيمور الشرقية وسيراليون: حين يكون للخروج منحى آخر
في تيمور الشرقية، أنشأ مجلس الأمن بالقرار 1272 لعام 1999 إدارة الأمم المتحدة الانتقالية UNTAET، ومنحها صلاحيات استثنائية شملت الأمن والنظام العام والإدارة وبناء المؤسسات. وفي 20 أيار 2002 ولدت تيمور الشرقية دولة مستقلة وانتقلت السلطة من الأمم المتحدة إلى مؤسساتها الوطنية، ثم استمر الدعم الدولي من خلال بعثة جديدة، UNMISET، أنشأها القرار 1410.
وفي سيراليون أنشأ القرار 1270 لعام 1999 بعثة UNAMSIL، وربط مهمتها باتفاق السلام ونزع سلاح المقاتلين وتسريحهم وإعادة دمجهم. انتهت المهمة في 31 كانون الأول 2005 بعد أن تجاوز عدد المقاتلين الذين شملتهم عملية نزع السلاح 75 ألفاً.
القاسم المشترك هنا أن الانسحاب جاء ضمن انتقال للمسؤولية، لا باعتباره مجرد إزالة للقوة الأجنبية من الخريطة.
قبرص: «المؤقت» الذي تجاوز ستة عقود
أما قبرص فتقدم النموذج الأكثر إثارة للمقارنة مع لبنان. أنشئت UNFICYP بالقرار 186 سنة 1964 لمنع تجدد القتال. وبعد أحداث 1974 توسعت وظائفها، ولا تزال القوة موجودة حتى اليوم، بعد أكثر من ستين عاماً، لأن التسوية السياسية النهائية لم تتحقق. (
وهنا المفارقة، طول عمر قوة حفظ السلام قد يكون دليلاً على نجاحها في منع الانفجار، لكنه قد يكون أيضاً دليلاً على عجز السياسة عن إنتاج السلام الذي يسمح لها بالرحيل.
لبنان: ما بعد «اليونيفيل» أهم من نهايتها
من هذه الزاوية ينبغي قراءة مستقبل «اليونيفيل». فهي أنشئت سنة 1978، ثم تغيرت طبيعة مهمتها جذرياً بعد حرب 2006 والقرار 1701، الذي أوكل إليها، إلى جانب مهامها الأصلية، مراقبة وقف الأعمال العدائية ومواكبة الجيش اللبناني ودعمه في الجنوب.
واليوم لا يدور النقاش اللبناني والدولي فقط حول انسحابها، بل حول من سيرث وظائفها. فالحكومة اللبنانية تطالب ببقاء شكل من أشكال الوجود الدولي بعد 2026، فيما ينص القرار 2790 نفسه على البحث في آليات دولية لمواصلة مراقبة الخط الأزرق ودعم الجيش. وفي أيلول الجاري شدد قائد «اليونيفيل» على أهمية انتقال منظم قبل الانسحاب.
والاحتمالات، قانوناً دولياً وسياسياً، تمتد من تعزيز الجيش اللبناني ليصبح صاحب المسؤولية الأمنية الكاملة، إلى إنشاء بعثة مراقبين دوليين أخف من «اليونيفيل»، أو صيغة متعددة الجنسيات جديدة، أو إبقاء حضور أممي سياسي وتقني لمراقبة تنفيذ القرار 1701. وأي قوة دولية جديدة ذات ولاية عسكرية أممية ستحتاج، من حيث الأصل، إلى أساس قانوني دولي واضح وإلى تحديد دقيق لمهمتها وعلاقتها بالدولة اللبنانية.
وهنا تختصر تجارب السويس والبوسنة ورواندا وتيمور الشرقية وسيراليون وقبرص المسألة كلها: القوات الدولية لا تصنع السلام بدلاً من الدول، ولا تستطيع أن تجعل القرار السياسي غير الضروري ضرورياً بقوة الخوذة الزرقاء. فقد تمنع الحرب، وقد تفصل بين المتحاربين، وقد تراقب الحدود أو تساعد دولة على استعادة سلطتها، لكنها تنجح في الرحيل فقط عندما يصبح ما كان يقوم به الجندي الدولي قادراً على أن تقوم به الدولة الوطنية.
ولذلك فإن السؤال اللبناني في نهاية 2026 لن يكون من سيحل محل «اليونيفيل»؟ بل هل يصبح جنوب لبنان، بعد نحو نصف قرن من الحضور الدولي، منطقة تستطيع الدولة اللبنانية أن تتولى وحدها أمنها وسيادتها، فيما يتولى المجتمع الدولي ضمان احترام الحدود والالتزامات الدولية؟
ففي تاريخ حفظ السلام قاعدة تكاد لا تخطئ: القوة الدولية تستطيع أن تحرس مساحةً بين حربين، أما تحويل تلك المساحة إلى سلام دائم، فمهمة السياسة والدولة.



