الثقة بالحكومة في الدستور اللبناني.. بين رقابة قوية في النصوص وركيكة في الممارسة

المحامي ميشال فلاّح

خرجت حكومة الرئيس نواف سلام من مجلس النواب مساء 16 أيلول بثقة 68 نائباً، مقابل 12 صوتاً بحجب الثقة وامتناع نائبين، في ختام يومين من المناقشة العامة. لكن الرقم، على أهميته السياسية، يفتح سؤالاً دستورياً أبعد من مصير حكومة بعينها: ماذا يعني أن «يجدد» مجلس النواب ثقته بحكومة سبق أن نالتها؟ وهل يعرف الدستور اللبناني، بالمعنى القانوني الدقيق، مؤسسة تسمى «تجديد الثقة»؟
الأدق دستورياً أن الحكومة لا تحتاج إلى تجديد دوري للثقة. فهي تنالها في بداية ولايتها، وتبقى حائزة إياها ما لم ينزعها مجلس النواب وفق الأصول. ومن هنا يصبح السؤال الأكثر أهمية: إذا كان الدستور قد وضع بين يدي البرلمان سلاحاً بهذه القوة، فلماذا تكاد التجربة اللبنانية تخلو من حكومة أسقطها البرلمان فعلاً بهذا السلاح؟

الثقة ليست مجاملة سياسية
المادة 64 من الدستور واضحة، على الحكومة أن تتقدم من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة خلال ثلاثين يوماً من صدور مرسوم تشكيلها، ولا تمارس صلاحياتها قبل نيلها الثقة، إلا في النطاق الضيق الذي حدده الدستور. أما المادة 69 فتعتبر الحكومة مستقيلة إذا نزع مجلس النواب الثقة منها، بمبادرة منه أو بناء على طرح الحكومة الثقة.
وهنا تظهر الطبيعة القانونية للثقة، حيث أن الحكومة تولد بمرسوم، لكنها لا تستكمل قدرتها على الحكم بمجرد صدور مرسوم تشكيلها. وقد عبّر المرجع الدستوري الراحل حسن الرفاعي عن هذه الفكرة بوضوح عندما اعتبر أن الحكومة الجديدة لا تستطيع أن تحكم، «بالمعنى الدستوري والقانوني»، قبل نيل ثقة المجلس النيابي. أي أن رئيس الجمهورية لا يمنح الحكومة الثقة، ولا مرسوم التشكيل يمنحها إياها. مصدرها، في النظام البرلماني، هو مجلس النواب. وهذا ما يجعل الثقة مختلفة عن مجرد التأييد السياسي، إذ إنها رابطة دستورية بين سلطة تنفيذية تحكم وسلطة تشريعية تستطيع مساءلتها وإنهاء حياتها السياسية.

ولكن هل هناك فعلاً «تجديد للثقة»؟
الدستور يعرف نيل الثقة بعد تشكيل الحكومة، ويعرف نزع الثقة عنها، ويعرف طرح الحكومة الثقة بنفسها. لكنه لا ينشئ استحقاقاً دورياً اسمه «تجديد الثقة». فإذا خضعت حكومة قائمة لمناقشة عامة انتهت بتصويت لمصلحة استمرار الثقة بها، لا تولد حكومة جديدة، ولا يبدأ أجل دستوري جديد، ولا يصدر مرسوم تشكيل آخر.
النتيجة القانونية أبسط، إذ لم تتحقق الحالة المنصوص عليها في المادة 69 التي تجعل الحكومة مستقيلة. وبالتالي فإن ما يسمى سياسياً «تجديداً للثقة» هو، من الناحية الدستورية الأدق، تأكيد لاستمرار الثقة القائمة وعدم نزعها. وقد ظهرت هذه الفكرة أيضاً في الفقه الدستوري اللبناني عند تناول مصدر شرعية الحكومة. فأنطوان مسرّة يشدد، في معرض بحثه في تكوين السلطة التنفيذية، على أن مجلس النواب هو الذي يعطي الحكومة الثقة، لا رئيس الجمهورية، رابطاً ذلك بطبيعة النظام البرلماني اللبناني.

الثقة علاقة مستمرة لا حادثة انتخابية
قرر الدستور في المادة 66 منه أن الوزراء يتحملون مجتمعين تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة، ويتحملون أفرادياً تبعة أفعالهم الشخصية. وإذا قرر المجلس عدم الثقة بوزير، أوجبت المادة 68 عليه الاستقالة. إذاً، الحكومة لا تخضع للمساءلة كجسم واحد فقط، فالوزير نفسه يبقى مسؤولاً سياسياً أمام البرلمان.
وتضيء كتابات إدمون رباط على فلسفة هذه العلاقة. ففي بحثه في النظام البرلماني، تناول رباط أثر الجمع بين النيابة والوزارة باعتباره عاملاً يزيد التداخل بين البرلمان والحكومة، لأن الوزير يبقى على اتصال بالمجلس وحريصاً على استمرار تمتعه بثقته. وهذه الفكرة مهمة في الحالة اللبنانية: الثقة ليست حدثاً يقع يوم تشكيل الحكومة ثم ينتهي، إنها علاقة مستمرة يفترض أن تؤثر في سلوك السلطة التنفيذية طوال بقائها في الحكم.

البرلمان يملك السلاح… لكنه لم يُسقط به حكومة
لم يسبق لمجلس النواب اللبناني أن سحب الثقة من أي حكومة في تاريخ الجمهورية اللبنانية. كما لم يسبق أن انتهى طرح الثقة بوزير إلى نزعها منه. وهذا أمر لافت في جمهورية يعرّف دستورها نظامها بأنه برلماني. فالمادة 37 تعطي كل نائب حق طلب عدم الثقة وفق شروطها، والنظام الداخلي للمجلس يذهب أبعد من ذلك: المادة 136 تفرض تخصيص جلسات دورية للأسئلة أو الاستجوابات أو المناقشة العامة، والمادة 137 تنظم المناقشة العامة، والمادة 138 تمنح الحكومة وكل نائب حق طلب طرح الثقة بعد انتهاء الاستجواب أو المناقشة العامة.
بل إن هيئة مكتب مجلس النواب نفسها توقفت عام 2003 أمام ضعف استخدام هذه الآلية، وسجلت أن طرح الثقة جزء أساسي من علاقة الحكومة بالمجلس، وأن هذه الممارسة كادت تُنسى منذ 1943، داعية إلى إحيائها باعتبارها من صميم النظام البرلماني.
إذن، المشكلة ليست غياب الأداة. المشكلة هي المسافة بين وجودها في الدستور وفاعليتها في الحياة السياسية.

قرداحي: عندما وصل الاستجواب إلى التصويت
تقدم تجربة وزير الاتصالات السابق جان لوي قرداحي سنة 2002 مثالاً نادراً على وصول الآلية إلى نهايتها الإجرائية. فبعد استجوابه في مجلس النواب، طلب النائب جورج قصارجي طرح الثقة بالوزير. فانتقل رئيس المجلس مباشرة إلى التصويت بالمناداة على الأسماء: «ثقة أو لا ثقة أو ممتنع». وكانت النتيجة أن حصل قرداحي على ثقة 78 نائباً، وحجب قصارجي وحده الثقة، فيما امتنع ثمانية نواب.
لم يسقط الوزير، لكن أهمية السابقة أنها تكشف كيف يفترض أن تعمل الآلية: سؤال أو استجواب، جواب من الوزير، عدم اقتناع نيابي، ثم انتقال من المساءلة الكلامية إلى المسؤولية السياسية الفعلية. وهذا هو الفارق بين رقابة تنتهي بخطاب، ورقابة يمكن أن تنتج أثراً دستورياً.

لماذا التصويت بالاسم؟
ليست طريقة التصويت هنا تفصيلاً إجرائياً. فالمادة 36 من الدستور توجب، عند الاقتراع على مسألة الثقة، أن تعطى الآراء بالمناداة على الأعضاء وبصوت عالٍ. وقد شددت الكتابات الصادرة عن المجلس الدستوري على أهمية أصول التصويت وارتباطها بصحة العملية البرلمانية وشفافيتها. والمنطق واضح، عندما يتعلق الأمر بمصير حكومة أو وزير، يجب أن يعرف المواطن موقف ممثله. لذلك لا يحمي الدستور النائب بسرية الاقتراع في الثقة، بل يضع موقفه في العلن.

أي أكثرية تسقط الحكومة؟
يجب التمييز بين نصاب انعقاد المجلس وبين الأكثرية المطلوبة لاتخاذ القرار. فالمادة 34 تجعل الجلسة قانونية بحضور أكثرية أعضاء المجلس، وتتخذ القرارات بغالبية الأصوات. ولا يضع الدستور لنزع الثقة أكثرية موصوفة كثلثي أعضاء المجلس مثلاً. أما النظام الداخلي فينظم طريقة الاقتراع على الثقة بالمناداة على الأسماء. وبذلك لا يجوز الخلط بين الأكثرية اللازمة لانعقاد الجلسة والأكثرية اللازمة لاتخاذ القرار داخل الجلسة القانونية. وهذا التفصيل مهم، لأن الثقة ليست إعلاناً سياسياً عاماً، بل قرار برلماني تحكم صحته قواعد دستورية وإجرائية محددة.

لماذا إذن لا تسقط الحكومات في البرلمان؟
قد يكون جزء من الجواب في طبيعة النظام السياسي اللبناني نفسه. النظام البرلماني التقليدي يفترض أكثرية تحكم ومعارضة تراقب. أما لبنان فعرف مراراً حكومات ائتلافية واسعة تضم قوى تملك في الوقت نفسه كتلاً مؤثرة داخل مجلس النواب. وهنا تنشأ مفارقة بنيوية: كيف يمارس البرلمان رقابة كاملة على حكومة تشارك كتل نيابية كبرى في تكوينها؟
إنها ليست مشكلة قانونية بالمعنى الضيق، لأن حق النائب في السؤال والاستجواب وطرح الثقة يبقى قائماً. لكنها مشكلة في تشغيل النظام البرلماني عندما تتداخل حدود الأكثرية الحكومية والمعارضة البرلمانية. وهذا يساعد في تفسير ظاهرة لبنانية لافتة: حكومات انتهت تحت وطأة أزمات سياسية أو احتجاجات أو باستقالة رؤسائها، بينما بقي السلاح الدستوري المباشر ـ حجب الثقة في البرلمان ـ شبه معطل عملياً. والتاريخ القريب يعطي أمثلة لحكومات انتهت تحت الضغط السياسي والشعبي من دون أن يسقطها اقتراع برلماني بحجب الثقة.

من 68 نائباً تبدأ المساءلة ولا تنتهي
يمكن قراءة نتيجة 16 أيلول بطريقة دستورية مختلفة. قال المجلس إن 68 نائباً ما زالوا يمنحون الحكومة ثقتهم، مقابل 12 حجبوها وامتناع نائبين. سياسياً، يمكن قراءة هذه الأرقام بطرق متعددة. أما دستورياً فالنتيجة محددة: لم تتحقق حالة نزع الثقة التي تجعل الحكومة مستقيلة. لكن ذلك لا يعني أن النواب الـ68 منحوا الحكومة حصانة حتى جلسة الثقة المقبلة.
بل ربما العكس هو الأقرب إلى منطق النظام البرلماني. فمن يمنح الثقة يتحمل أيضاً مسؤولية مراقبة كيفية استخدامها. والنائب الذي يصوت للحكومة اليوم يستطيع أن يسائل وزيراً غداً، وأن يستجوبه بعد غد، وأن يحجب عنه أو عن الحكومة الثقة إذا تغير تقديره لأدائها. وهنا يظهر السؤال الحقيقي الذي تطرحه التجربة اللبنانية.

بعد نحو قرن على قيام الجمهورية، لا يبدو أن المشكلة هي أن الدستور اللبناني لا يعرف كيف تسقط الحكومة في البرلمان. النصوص تعرف ذلك جيداً: مساءلة، استجواب، مناقشة عامة، مسؤولية فردية للوزير، ومسؤولية تضامنية للحكومة، وصولاً إلى نزع الثقة. لكن التاريخ الدستوري يقول إن السلاح الأقوى بقي، في نتيجته القصوى، غير مستخدم ضد حكومة. لذلك قد لا يكون السؤال الإصلاحي الأول، هل نحتاج إلى تعديل قواعد الثقة؟ ربما يسبقه سؤال أكثر جوهرية، كيف نستعيد الوظيفة الرقابية للبرلمان نفسه؟
فالثقة في الجمهورية البرلمانية ليست مكافأة للحكومة، وليست صك براءة يمنح لها، كما أن حجبها ليس الأداة الوحيدة للمحاسبة. إنها علاقة دستورية مستمرة بين سلطة تحكم وسلطة تراقب. ومن هنا، فإن الرقم الأهم بعد جلسة 16 أيلول قد لا يكون «68». الأهم هو ما يفعله هؤلاء النواب ـ ومعهم النواب الذين حجبوا الثقة أو امتنعوا ـ في اليوم التالي للتصويت. لأن البرلمان الذي يمنح الثقة ولا يراقب بعدها، يكون قد احتفظ بشكل النظام البرلماني وأفرغه من إحدى أهم وظائفه. أما البرلمان الذي يمنحها ويبقي الحكومة تحت السؤال والاستجواب والمحاسبة، فهو يطبق المعنى الحقيقي للثقة: أن تحكم الحكومة ما دامت موضع ثقة ممثلي الشعب، وأن تعرف، في كل يوم من أيام حكمها، أن هذه الثقة ليست أبدية ولا غير مشروطة.