في الذكرى الـ44 لاستشهاد بشير الجميّل ورفاقه… ساحة ساسين تستعيد مشروع الدولة و«بشير الحقيقة»
أحيت مؤسسة بشير الجميّل، في ساحة ساسين في الأشرفية، الذكرى الرابعة والأربعين لاستشهاد الرئيس بشير الجميّل ورفاقه، في احتفال حاشد حضره حشد من الشخصيات السياسية والدبلوماسية والحزبية والمواطنين.
وشارك فيها: السيدة صولانج الجميل، السيدة جويس أمين الجميّل، النائب نديم الجميّل السيدة يمنى بشير الجميل زكار وأفراد العائلة، رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل وعقيلته كارين، النائب غسان حاصباني ممثلا رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع،
ووزراء: الخارجية يوسف رجي العدل عادل نصار، الصناعة دجو عيسى الخوري، والطاقة والمياه يوسف الصدي،، الياس حنكش، أشرف ريفي، ميشال معوض، جهاد بقرادوني، نقولا الصحناوي، هاغوب تريزيان، راجي السعد، جان طالوزيان ملحم خلف، أديب عبد المسيح وغادة أيوب،
سفير الولايات المتحدة الأميركية في لبنان ميشال عيسى، وسفير دولة قطر الشيخ سعود بن عبدالرحمن آل ثاني، الاستاذ هجير سنكي ممثلا السفير السعودي في لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري، محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود، الشيخ أمبن بيار الجميّل وعدد من شخصيات السياسية والاجتماعية وإعلامية والحزبية ورفاق البشير وعائلات الشهداء.





بداية صلاة بالمناسبة ثم النشيد الوطني اللبناني
ثم تحدثت السيدة يمنى الجميل زكار وقالت:
:حين نعيش الأسطورة، لا نعود ننتبه إلى الوقت.
أربعة وأربعون عامًا مرّت.
عظيمٌ من بلادي، حمل بشير وآمن بمشروعه، الذي لم يكن مشروعًا له وحده، بل كان مشروع وطن.
غادرنا أمس «راهب القضية»، الأب بولس نعمان، إلى مكان أفضل، إلى حضن الآب، حاملًا همّنا. همّ مساحة الحرية الوحيدة في هذا الشرق.
لقاؤه الثاني سيكون مع رفيق النضال بشير.
وأعتقد أن أول كلمة سيقولها له ستكون:
«لو أنك انتبهت إلى نفسك… كم من الويلات كنت ستوفّر علينا وعلى وطنك».
أضافت:في مثل هذا اليوم، قبل أربعة وأربعين عامًا، قال الأباتي نعمان، في لحظة تأثر وصلاة من أجل بشير:
«يقولون إن البطل لا يموت. وهذا غير صحيح. البطل الحقيقي يموت… ويموت في الثلاثينيات من عمره، بعد أن يتأكد أن الفداء قد تمّ، وأن الوعد سيكتمل».
وتابعت:”من جبهة «الحرية والإنسان» احتضنتَ بشير، وكنت من المؤسسين الأوائل لـ«مؤسسة بشير الجميّل».
يا قدس الأباتي، من القلب نقول لك: شكرًا.
وإلى اللقاء
.
وطلبت الجميل من الحضور الوقوف دقيقة صمت عن راحة نفس الأب بولس نعمان.
وأعلنت:من اللحظة الأولى، وصولًا إلى استشهادك، تحوّلت كلماتك وخطاباتك إلى إنجيل قضية ووطن.
تحوّلت إلى دستور مكتوب.
وأصبحت «لازمة» نردّدها في كل لحظة.
كلامك كان دائمًا للمستقبل…
وصية للقريب والبعيد…
لليوم، ولكل يوم…
وقالت:”أطلقوا سراح بشير.
حرّروا بشير.
بشير يرتاح عندما يتحقق مشروعه.
بشير يرتاح عندما نملأ الفراغ القاتل الذي تركه.
في 14 أيلول 1982، توقّف الزمن عند الساعة الرابعة وعشر دقائق.
ولبنان ما زال ينتظر زمن بشير.ينتظر وعد الوطن.
وعد المواطنة.وعد الكرامة والحلم.وعد لبنان.
هناك رجال يعيشون عمرًا كاملًا، وهناك رجال يختصرون عمرًا كاملًا،
وأنتم منهم.
ثم تلت السيدة الجميل أسماء
شهداء 14 أيلول.
وتخلّل الاحتفال عرض مقتطفات من خطابات الرئيس الشهيد بشير الجميّل وأناشيد مرتبطة بالمناسبة، إضافة إلى كلمات لكل من الدكتور صالح المشنوق، الدكتور مكرم رباح، السيدة رشا محسن سليم، والنائب نديم الجميّل.
الدكتور المشنوق
والقى الدكتور المشنوق كلمة قال فيها:”أربعة وأربعون عامًا.
لففنا ودُرنا، وأضعنا وقتنا، ثم عدنا إليك.
أربعة وأربعون عامًا.
يمكننا اليوم أن نختصرها بجملة واحدة فقط:
كم كنتَ محقًّا يا بشير.
وهذه القناعة ليست وليدة اليوم، بل هي قناعة بيروتية قديمة.
في الجلسة الشهيرة مع الرئيس المنتخب بشير الجميّل، قال له الزعيم البيروتي صائب سلام:
«ليتني تعرّفت إليك منذ زمن».
أما أنا، فلم أُضع الوقت منذ البداية.
ذكّرني زميلي مكرم بالجلسة التي جمعتنا بصديقنا نديم. قال لي: كنا نجلس في الجامعة الأميركية في بيروت، وفي ذلك الجو القومي، وكانوا يملأون رؤوسنا بالحديث عن بشير الجميّل، ونحن ننظر إليه ونتساءل: ما قصته؟ ومن الذي غسل دماغه؟
لكن الحقيقة أن أمي اهتمت بهذا الأمر منذ وقت مبكر، وكما يجب.
وبمناسبة انتخاب بشير واستشهاده، أودّ أن أوجّه من هنا تحية إلى اللبنانيات وإلى وطنيتهن.
فإذا كانت هذه قناعتي في ذلك الوقت، في عزّ الاحتلال السوري، وفي ذروة مرحلة زرع الأحقاد المصطنعة بين المسلمين والمسيحيين، فتخيّلوا «المعركة» التي آتيكم بها اليوم.
معركة عنوانها واضح وصريح:
بشير، بحد ذاته، عنوان.
بالأمس واليوم وغدًا، عنوان لكيفية تجاوز هوياتنا الجانبية وأحقادنا التاريخية، وأن نكون، عندما يحين وقت الجد، أولًا وأخيرًا لبنانيين.
ولهذا جئت اليوم.
أنا ابن المزرعة، ومن سكان رأس بيروت، والعاشق الأول للأشرفية، طبعًا.
أي إنني أنتمي إلى أولئك الذين كان بشير يقول عنهم إنهم مواطنون صالحون.
جئت اليوم من المنطقة التي كانوا يسمّونها «بيروت الغربية»، قبل أن تُسمّى كذلك.
هذه هي بيروت التي وقف بشير في وجه الصورة التي حاول البعض إلصاقها به: الانعزالي، والطائفي، والتقسيمي.
جاء وقال، بالحرف الواحد:
«معركة السيادة يجب أن يشارك فيها جميع اللبنانيين، لأن السيادة لا يمكن أن تتجزأ.
إذا كانت جونية حرّة وسيدة ومستقلة، وبيروت الغربية محتلة، فهذا يعني أننا جميعًا محتلون».
بيروت هذه هي نفسها التي وحّدت رسالتها في اليوم الذي اغتيل فيه، على بُعد شارعين من بشير، ومن المجرمين أنفسهم، ودفاعًا عن المشروع نفسه، الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قضيتنا واحدة، ورؤيتنا واحدة، وأحلامنا واحدة.
والرجلان اللذان اعتقدا، في لحظة من اللحظات، أنهما قادران على تخويفنا أو كسرنا أو تفريقنا، ذهب أحدهما إلى الآخرة، فيما هرب الآخر إلى موسكو.
وبقيت ذكرى بشير هنا، في الأشرفية، وصار يتحدث عنها لبنانيون جاؤوا من كل زاوية من زوايا الـ10452 كيلومترًا مربعًا.
نحن جيل من اللبنانيين وُلد بعد استشهاد بشير، ووعى على الدنيا بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري.
لكننا لسنا جيلًا جاء من فراغ، ولسنا مقطوعين من شجرة.
نحن جيل قناعة وتضحية.
نحن جيل جبران تويني وبيار الجميل.
نحن جيل هذا القسم.
نحن جيل «لبنان أولًا».
نحن جيل، وعلى عكس كثيرين سبقونا، يؤمن بقناعة تامة ومطلقة بأن:
لا، الكذب ليس ملح الرجال، والهروب ليس ثلثي الرجولة.
لا، ليس غدًا نرى، وليس الأمر متروكًا لـ«الله يدبّرها».
وأن اليد التي لا نستطيع كسرها، لا نقبّلها وندعو لها بالكسر.
هذه اليد التي تريد أن تمتد إلينا وتهددنا، سواء أتت من الضاحية الجنوبية أم من طهران، نحن من سيكسرها.
نحن جيل يؤمن بقناعة تامة وراسخة بأن آباءنا وأجدادنا لعبوا بما فيه الكفاية.
من عبد الناصر إلى منظمة التحرير، إلى حافظ الأسد.
وأن حكوماتنا وجيشنا أضاعوا من الوقت بما فيه الكفاية.
من معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» إلى المناطق التجريبية.
والأهم أننا مقتنعون بأنه ليس كلما ظهر من يريد المتاجرة بالقضية الفلسطينية في لبنان، علينا أن نسمح بإدخال لبنان في صراع جديد.
وليس كلما رحل خامنئي وجاء خامنئي جديد في إيران، علينا أن نعيد إدخال البلد في حرب جديدة.
من يريد أن يقاتل من أجل قضية أخرى أو من أجل بلد آخر، فليحمل سلاحه ويذهب ليقاتل في بلد قضيته.
ولهذا جئت اليوم إلى هنا.
جئت بناءً على وصية بشير، لأقول الحقيقة التي أعرفها، مهما كانت هذه الحقيقة صعبة.
الحقيقة من دون سمسرة، ولا غش، ولا زعبرة، ولا تلك اللغة التي يستخدمها كل سياسي في لبنان يريد أن يتذاكى علينا ويضيّع وقتنا.
الحقيقة الصعبة هي أن غالبية الشعب اللبناني، مسلمين ومسيحيين، تريد عقد اتفاقية سلام بين لبنان وإسرائيل.
ليست اتفاقية هدنة، ولا إنهاءً للصراع، ولا وقفًا لحالة الحرب.
بل اتفاقية سلام.
اتفاقية تضع حدًا نهائيًا وأكيدًا لـ57 عامًا من استخدام أرض لبنان لمشاريع أيديولوجية فاشلة ومتخلّفة، كانت كلها على حساب اللبنانيين.
نصفهم أصبح تحت خط الفقر، والنصف الآخر في الاغتراب.
الحقيقة الصعبة هي أن قيادة الجيش اللبناني، التي نحترمها، مسؤوليتها تنفيذ قرارات الدولة اللبنانية، ونقطة على أول السطر.
وليس من مهمتها أبدًا أن تقرّر ما إذا كانت قرارات الحكومة اللبنانية تناسبها أم لا.
ليس المطلوب، لا منذ 44 عامًا ولا اليوم، أن ينزل الجيش إلى النبطية، فتُرمى عليه علب الأرز والكولونيا، ويُقال له: «الله معك يا وطن»، فيما هو لا يحمل صاروخًا واحدًا من تحت أرض النبطية.
انتهينا من هذا الأمر، حقًا.
لا.
نريد جيشنا ألّا يخاف من أحد.
ينزل إلى الجنوب بكل هيبته وبكل شجاعته.
النفق الذي يظهر في وجهه، طاهرًا كان أم غير طاهر، يدخل إليه ويفجّره، هو والسلاح الموجود فيه.
الحقيقة الصعبة هي أن سفير الحرس الثوري الإيراني السابق في لبنان، الذي أصبح وزيرًا للخارجية اللبنانية، لا تُمنح له تأشيرة مجاملة، لأن لا شيء فيه يشبه المجاملة، لا شكلًا ولا مضمونًا.
هذا ضابط استخبارات إيراني.
يُتعامل معه بإجراء استخباراتي، ويُعاد إلى عمله في طهران كما جاء.
ويُقال للإيراني بوضوح:
احمل حقائبك وأموالك وعملاءك وارحل.
خذهم جميعًا معك، ولكن ارحل.
كفى تدخّلًا في شؤوننا.
لبنان ليس أرضًا سائبة، وحيطُه ليس واطيًا.
والسفير الذي يتخطى حدوده الدبلوماسية معنا، أيًّا كان، نُعيده بالطائرة، بتذكرة ذهاب واحدة، إلى البلد الذي أرسله إلينا.
الحقيقة الصعبة هي أنه لا يحق لأحد أن يمنّننا بتضحيات لا علاقة لها بلبنان.
يقول لنا أحدهم: «رحّلنا شبابنا وضحّينا، وعليكم أن تشكرونا وتعوّضونا».
يا عزيزي، ليس المهم أين يموت الإنسان، بل المهم من أجل من يموت، ومن أجل ماذا يموت.
ومن يموت على طريق القدس، لا مكان له في تفاهمات تُعقد في بيروت.
الحقيقة الصعبة هي أنه لا يوجد في العالم شيء اسمه «استراتيجية دفاعية» بهذا المعنى.
ولا يوجد في العالم شيء اسمه جنوب الليطاني وشمال الليطاني.
فالليطاني ليس جدار برلين، بل نهر ملوّث.
الاستراتيجية الوحيدة في لبنان التي تحمل مضمونًا دفاعيًا هي نزع هذا السلاح من كل شبر من مساحة الـ10452 كيلومترًا مربعًا.
الحقيقة الصعبة هي أننا لا نملك 44 عامًا أخرى لنرى.
تحت شعار الطائفة المجروحة، وبعد عقود من تحمّل التذرّع والترفّع والمزايدات، لم يعد لدينا وقت.
سواء رضي نبيه بري أم لم يرضَ، وسواء رضي أم ظلّ رافضًا إلى الأبد.
تطمين الطائفة لا يكون بهذه الطريقة.
تطمين الطائفة يكون بنزع أسباب خرابها ونكبتها، وبالدفاع عن الأحرار المنتفضين فيها في جبل عامل، شركاء الشهيد البطل لقمان سليم.
مثل تلك المرأة في جنوب لبنان التي، عندما خسرَت منزلها، خرجت وقالت علنًا:
«بيتي ليس فداءً لأحد».
هذه هي التي تحتاج إلى الطمأنينة، لا الميليشيات التي تسببت في تدمير منزلها.
وأخيرًا، بشير ليس للماضي.
وليس أداة للحنين إلى الماضي.
وليس فقط لكي نسأل أنفسنا: ماذا كان سيحدث لو بقي معنا؟
بشير، بشجاعته وصراحته وعنفوانه، ضرورة اليوم في لبنان أكثر من أي يوم مضى.
ضرورة لكي نعرف كيف نتخلّص من كل هذا القرف الذي نعيش فيه، ونعرف كيف نبني مستقبلًا للناس في هذا البلد.
لا أن نضطر إلى تحمّل مجموعة من المهلوسين الذين كانوا يريدون الدخول إلى الجليل، بينما هم اليوم غير قادرين على الدخول إلى بنت جبيل، ثم يأتون ليحدّدوا لنا مستقبلنا في هذا البلد.
كان معك حق.
المزرعة لها ثمن، والوطن له ثمن.
وهذا الثمن سندفعه في الحالتين.
واليوم، وبعد كل التقدّم الذي حققناه، ما زلنا ندفع ثمن المزرعة.
لكننا قررنا.
مسلمون ومسيحيون.
قررنا، وقرارنا نهائي:
أن ندفع ثمن وطن على صورة بشير.
أن يُبنى لبنان على صورة بشير.
الدكتور مكرم رباح
والقى الدكتور مكرم رباح كلمة جاء فيها:
في ذكرى اغتيال بشير الجميّل، أود أن أبدأ من فكرة أساسية بالنسبة إليّ:
الوفاء لبشير، وللأبطال الذين نحبهم، لا يكون بتقديسهم.
الوفاء لبشير يكون بفهم مشروعه، وتطويره، وتحويله إلى مشروع يجمع اللبنانيين.
لأن بشير، في نهاية المطاف، لم يكن بحاجة إلى تمثال جديد، ولا إلى صورة أكبر، ولا إلى مزيد من الشعارات.
بشير كان يتحدث عن دولة.
عن سيادة.
عن قرار لبناني.
وعن مؤسسات قادرة على حماية اللبناني، بدل أن يبقى بحاجة إلى زعيم أو طائفة أو ميليشيا تحميه.
وهنا، بالنسبة إليّ، يبدأ المعنى الحقيقي لهذه الذكرى.
أنا مؤرّخ لبناني، وأقضي جزءًا كبيرًا من حياتي في دراسة تاريخ لبنان الحديث، والحرب، والذاكرة، والاغتيالات، والفرص التي أضعناها.
مهمتي أن أدرس الماضي، لا أن أؤمّن للناس إقامة دائمة فيه.
وربما لهذا السبب تحديدًا، أصبحت مقتنعًا بأن إحدى خطايانا الكبرى هي أننا ما زلنا نعيش في الماضي أكثر مما نبني المستقبل.
نعرف كل تفاصيل خلافات الماضي، لكننا ننسى أحيانًا أن نسأل السؤال الوحيد الذي يهم فعلًا:
وسال:ماذا نريد أن نفعل بلبنان اليوم؟
وهنا أيضًا تقع علينا مسؤولية، كمؤرخين وكمواطنين، في أن نبني ذاكرة جماعية للمواطنة، لا ذاكرة تلغي آلام الجماعات، ولا تطلب من أحد أن ينسى شهداءه أو تجربته، بل ذاكرة تضع كل هذه التجارب ضمن إطار وطني أكبر.
لأن أخطر ما في لبنان هو تسليح الذكريات الصغيرة.
كل طائفة تأخذ جرحها، وكل جماعة تأخذ خوفها، وتحوله إلى سلاح سياسي في وجه الجماعات الأخرى.
وهكذا تصبح الذاكرة، بدلًا من أن تساعدنا على فهم الماضي، وسيلة لإعادة إنتاجه.
المطلوب ليس ذاكرة موحّدة ومصطنعة، ولا رواية رسمية تقول للناس ما الذي يجب أن يتذكروه.
المطلوب ذاكرة وطنية تعترف بأن لكل جماعة قصتها وألمها، لكنها تقول في الوقت نفسه إن لا جرح يمنح صاحبه الحق في هدم الدولة، ولا خوف يمنح جماعة الحق في التسلح على حساب بقية المواطنين.
المواطنة تبدأ عندما تتوقف الذاكرة عن كونها سلاحًا، وتتحول إلى معرفة ومسؤولية.
وقلل،:”أنا شخصيًا، تربيتي العائلية، وخلفيتي السياسية، وحتى جزء من نشاطي السياسي، لم تكن بالضرورة قريبة من بشير الجميّل، ولا من التجربة السياسية التي مثّلها في مرحلة من المراحل.
أنا لست موجودًا هنا لأدّعي أنني كنت بشيريًا، أو لأعيد كتابة تاريخي الشخصي بما يتناسب مع المناسبة.
إذا أراد الدرزي أن يبقى يعيش في سنة 1983، والماروني في سنة 1976، والشيعي في سنة 1982، والسنّي في سنة 2005، فلن يكون لدينا وطن.
سيكون لدينا أرشيف كبير، وشعوب صغيرة تعيش داخله.
وهنا تكمن، بالنسبة إليّ، أهمية بشير.
بشير لم يكن مشروعًا جامدًا.
كان رجلًا تطوّر سياسيًا.
في مرحلة من حياته، مثل معظم القيادات خلال الحرب، آمن بأن القوة والسلاح قادران على تغيير المعادلة.
لكن أهمية تجربته تكمن في أنه وصل إلى مكان آخر:
إذا أردت أن تغيّر لبنان، فعليك أن تغيّره من داخل الدولة.
عليك أن تكسب الشرعية، لا أن تربح المعركة فقط.
يجب أن يكون لديك جيش، لكن الأهم أن تكون لديك دولة.
وهذا، بالنسبة إليّ، أهم جزء في تجربة بشير:
ليست البندقية، بل الدولة.
وتابع: لهذا، عندما أرى اليوم نديم الجميّل والناس الذين يعملون معه، لا أرى فقط ورثة اسم أو ذكرى تاريخية.
أرى محاولة لإنتاج مشروع سياسي قائم على السيادة، وعلى الدولة، وعلى رفض السلاح خارجها، وعلى رفض أن يبقى لبنان ساحة لحروب الآخرين، أو لحروب نستجلبها نحن اللبنانيين إلى بلدنا.
أنا ونديم ربما لم نأتِ من الطريق نفسه.
وصالح جاء من مكان مختلف.
ورشا من تجربة مختلفة.
وكثيرون غيرنا جاؤوا من ذكريات وتجارب مختلفة، وهذه تحديدًا هي نقطة قوتنا.
لأنه ليس ضروريًا أن نتفق على المكان الذي أتينا منه.
لكن من الضروري أن نتفق على الوجهة التي نريد الوصول إليها.
ليس مطلوبًا أن تكون لدينا قراءة واحدة للحرب، ولا رأي واحد في بشير.
لكن يجب أن يكون لدينا مستقبل واحد.
يجب أن نتفق على أن لبنان الذي نريده لا يوجد فيه جيشان.
ولا يوجد فيه قراران بالحرب والسلم.
ولا يوجد فيه حزب يعتبر نفسه أكبر من الدولة.
ولا يوجد فيه مواطن يحتاج إلى المرور عبر زعيم طائفته حتى يحصل على حقه.
وهنا نصل إلى نظامنا السياسي.
صيغة عام 1943 واتفاق الطائف كانا مرحلتين في تاريخ لبنان، وكل نظام لا يتطور يتحول من حلّ إلى مشكلة.
هل تريد أن تسميه فيدرالية، أو لامركزية موسّعة، أو تطويرًا للطائف؟ فلنناقش.
الاسم ليس هو المشكلة.
الهدف هو المواطنة.
المواطنة تعني أنني أنا وأنت، مهما كان اسمنا، وطائفتنا، ومنطقتنا، وتاريخ عائلتنا، نملك الحقوق نفسها والواجبات نفسها.
والمواطنة تعني أن الجيش اللبناني وحده يحمل السلاح الشرعي، وأن الدولة وحدها تقرر الحرب والسلام.
وهذا ليس مشروعًا ضد أي طائفة.
هذا هو المشروع الوحيد الذي يحمي الجميع.
وكما رفضنا الوصاية السورية، نرفض الوصاية الإيرانية.
وكما نرفض أي سلاح خارج الدولة، نرفض الاحتلال الإسرائيلي.
وفي هذه المرحلة تحديدًا، يجب أن نكون واضحين:
المقاومة المزعومة التي تستجلب الاحتلال، وتفتح الحروب من دون قرار الدولة، لا تحمي لبنان.
إنها تعرّضه للخطر.
السيادة لا يمكن أن تكون وجهة نظر.
والسيادة لا تتجزأ.
وواعلن:”هنا أريد أن أعود إلى بشير.
لا أعتقد أن أفضل طريقة لتكريمه هي أن نجلس ونتخيّل ماذا كان سيفعل لو بقي حيًا.
التاريخ لا يُكتب بصيغة «لو».
السؤال ليس ماذا كان بشير سيفعل اليوم.
السؤال هو: ماذا سنفعل نحن اليوم؟
هل نستطيع أن نبني مساحة يلتقي فيها أشخاص لم يكونوا تاريخيًا في الخندق نفسه، لكنهم اليوم مقتنعون بالدولة نفسها؟
لهذا أرى نفسي قادرًا على العمل مع أي لبناني مقتنع بأن لبنان يجب أن يكون دولة، لا ساحة.
لا أعمل معهم لأننا أتينا من الماضي نفسه.
أعمل معهم لأننا نريد المستقبل نفسه.
نحن اللبنانيين اعتدنا أن نلتقي بعد الاغتيالات:
من بشير وكمال جنبلاط، إلى رفيق الحريري وسمير قصير وجبران تويني ولقمان سليم، وصولًا إلى مئات الأبرياء الذين قتلهم انفجار المرفأ.
وفي كل مرة، نجتمع بعد أن يخسر لبنان شخصًا.
لقد حان الوقت لكي نلتقي قبل أن نخسر لبنان نفسه.
نلتقي حول دولة.
حول مؤسسات.
حول جيش واحد.
حول قضاء واحد.
وحول مستقبل لا يطلب من أولادنا أن يعرفوا أين كان جدّهم في الحرب حتى يعرفوا ما هي حقوقهم في الدولة.
بعد أربعة وأربعين عامًا، بشير ليس بحاجة إلينا لكي نقول إنه كان على حق في كل شيء.
الأهم أن نكمل السؤال الذي طرحه:
كيف نبني دولة فعلية في لبنان؟
قد نختلف حول بشير التاريخ.
لكن يمكننا أن نتفق على الدولة التي حلم بها:
دولة قوية، سيدة، قادرة، مواطنوها متساوون، وسلاحها في يدها.
وهذا ليس مشروع شخص، ولا مشروع حزب، ولا مشروع طائفة.
هذا مشروع لبناني.
ولا عيب في أن يكون اللبناني منحازًا إلى مصلحة بلده قبل مصالح المحاور.
الطريقة الوحيدة لتكريم الماضي هي أن نبني مستقبلًا أفضل منه.
والوفاء لبشير ليس أن نبقى واقفين في المكان الذي انتهت فيه حياته.
الوفاء له هو أن نكمل الطريق باتجاه الدولة.
ليس لكي نترك لأولادنا صورة أكبر عن بشير فحسب، بل لكي نترك لهم لبنانًا يليق بهم.
سليم
وفي كلمتها، استحضرت رشا محسن سليم إرث الرئيس الشهيد بشير الجميّل ولقمان سليم، انطلاقاً من مفهوم الولاء الحصري للبنان، معتبرة أن كليهما ترك أمانةً تتمثّل في الدفاع عن الأرض وبناء دولة عصرية عادلة وشفافة، تقوم على الحرية وتحمي مواطنيها.
وشدّدت سليم على أن بشير ولقمان لم يدافعا عن «سراب» أو عن صراعات أبدية، بل عن وطن يستحق التضحية في سبيله، في مواجهة مشاريع الحروب الدائمة والاحتلال والتهجير. وأكدت أن اللبنانيين باقون لاستكمال ما بدأه بشير ولقمان، داعية إلى تحمّل المسؤولية ومواجهة من يحاول اختطاف لبنان وهويته، وختمت بدعوة إلى العمل: «حيّ على خير العمل».
النائب نديم الجميّل
أما النائب نديم الجميّل، فأطلق في كلمته سلسلة مواقف سياسية شدّد فيها على ضرورة انتقال الدولة من الخطابات والشعارات إلى القرار والتنفيذ، سائلاً: «ماذا فُعل؟ وماذا تحقّق؟»، ومؤكداً أن المطلوب هو أن تمسك الدولة بزمام الأمور فعلاً، وتحترم قراراتها وتكون على قدر كلمتها.
وفي ملف سلاح حزب الله، اعتبر الجميّل أن انتظار الحزب لكي «يصبح لبنانياً ويسلّم سلاحه للدولة» يعني عدم فهم تكوينه وعقيدته ومدى ارتباطه بإيران. ودعا السلطة السياسية إلى إعطاء الأمر للجيش، مؤكداً ثقته بأن المؤسسة العسكرية لن تنقسم وأن أحداً لن يقف في وجهها متى اتُّخذ القرار السياسي.
ورفض الجميّل التذرّع بالحرب الأهلية أو بانقسام الجيش لتبرير عدم الحسم، معتبراً أن التخاذل في معالجة ملف السلاح غير الشرعي هو ما يهدّد الدولة ووحدتها. كما انتقد غياب الانسجام والالتزام بين السلطة السياسية والقيادة العسكرية، وسأل كيف يمكن للعالم أن يأخذ لبنان على محمل الجد في ظل التراجع عن القرارات وعدم تطبيقها.
وفي العلاقات الخارجية، شدّد الجميّل على أن لبنان يريد أفضل العلاقات مع محيطه، شرط عدم التدخل في شؤونه أو وجود أطماع بأرضه، مؤكداً أن «ولاءنا الوحيد للبنان»، لا لأي دولة أو مرجعية أو قضية لا ترتبط مباشرة بمصلحة لبنان.
وفي موضوع السلام، جدّد الجميّل موقفه الداعي إلى مقاربة جريئة، مذكّراً بأنه دعا من الأشرفية قبل عام إلى التفاوض المباشر، وقال إن الحدود المشتركة مع إسرائيل تتطلب قراراً يؤدّي إلى حل نهائي للصراع. وأكد أن «السلام ليس استسلاماً، وليس من المحرّمات»، إذا كان في مصلحة لبنان وشعبه، وخصوصاً الجنوب وشيعة لبنان وكل مساحة الـ10,452 كلم².
وتوقف الجميّل عند مفهوم الـ10,452 كلم² الذي ارتبط بمشروع بشير الجميّل، مشدداً على أنه بالنسبة إليهم مساحة حرية وأمن وكرامة ومساواة وعدالة وسيادة واقتصاد حر ودولة حرة، وليس مساحة حروب وأنفاق وولاءات خارجية.
كما وجّه تحية إلى الشباب المشاركين في مخيّم بشير الجميّل السنوي في جرود تنورين، وإلى من يواصلون التمسّك بالأرض وتضحيات الأجيال السابقة، مستذكراً بشير ومايا وبيار وأنطوان ورمزي وإلياس وباسكال وسائر الشهداء.
وفي ختام كلمته، أكد الجميّل أن السنوات الماضية أثبتت، برأيه، صواب خيارات الرئيس الشهيد بشير الجميّل ومشروعه في بناء «دولة حقيقية جامعة موحّدة وقوية وقادرة»، قائلاً إن بشير كان «الحلم للبنان والكابوس لأعداء لبنان»، وختم: «وأمام كل حفلات التفنيص وتقبيل الأيادي التي نعيشها اليوم، تبقى وحدك… بشير الحقيقة».



