
لأن الحقيقة يجب ان تُقال .. إنصافًا لقائد رئيس حمل السلاح وغصن الزيتون من أجل القضية
كتب الكاتب السياسي الأستاذ جورج صبّاغ الذي رافق حقبة الإتفاق الثلاثي بعنوان ليكفوا عن ظلم قائد أراد أن يكون بطل سلام كما كان بطلًا في حرب الآخرين على أرضنا الى جانب الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميّل وقادة كبار من مؤسسي المقاومة اللبنانية.
ولأن الحقيقة يجب ان تُقال مهما كانت صعبة.. كتب جورج صبّاغ الكاتب والمؤرخ لإنصاف قائد أراد إنهاء حرب أشعلتها المؤامرات وقتل الشباب من دون قضية…
وقال الكاتب صبّاغ: كتبت لإنصاف عائلة الرئيس القائد الشهيد ومحبيه وأصدقائه الأوفياء الذين اعتقد البعض أنهم خانوا القضية التي أراد الوزير والنائب إيلي حبيقة، أن يحميها ويناضل من أجلها بسلام يحمي اللبنانيين من قتل مجاني.

- لا مش هينة تكون مسيحي .
- لمزيدٍ من الإضاءة على ما حصل تماما عشية توقيع الإتفاق الثلاثي خلال الإجتماع المسيحي الموسع في الصرح البطريركي في بكركي والذي دعا اليه المدبّر الرسولي آنذاك المطران ابراهيم الحلو ( رحمه الله ) وحضره كل الشخصيات والنواب والوزراء ( حاليين بحينه وسابقين ) ومطارنة ورؤساء رهبنةكما والرئيس كميل شمعون وحزبيين وقياديين قواتيين الى جانب كل من ( مع حفظ الألقاب ) رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية ايلي حبيقة ورئيس الأركان فيها سمير جعجع ، بغية الإطلاع على بنود الإتفاق ومناقشتها مع ايلي حبيقة الذي كان وفريقه قد قام بصولات وجولات مضنية توصلا الى إتفاق ينهي الحرب التي باتت عبثية مع كل من قيادة حركة أمل وقيادة الحزب التقدمي الاشتراكي ، كأطراف متقاتلة على الأرض .

- في لقاء بكركي هذا الذي انعقد أواخر شهر كانون الأول ١٩٨٥ ، أدلى كل من الحاضرين بدلوه من المؤيد للسير به الى المتحفظ الى المعارض لبعض بنود الإتفاق ( سوف نجري توضيحا مفصلا في منشور آخر )
- سمير جعجع والذي كان يواكب وفريقه كل تفاصيل المفاوضات وبنود الإتفاق لا سيما في إجتماعات الهيئة التنفيذية للقوات في المجلس الحربي ، لم يكن معارضا من حيث المبدأ على السير به ، إنما أبدى تحفظا وحيدا فقط على مبدأ المثالثة ضمن المناصفة ( اي ضرورة أن تكون حصة الموارنة في التعيينات اكبر من حصص باقي المذاهب المسيحية ) تحفظ واحد لا غير دون سواه .
- في لقاء بكركي هذا تحدث جعجع معربا عن معارضته توقيع الإتفاق قائلا وفي خلال مناورة إعتراضية ( انا مستعد أن اعطي ايلي حبيقة كل ما يريد من القوات او خارجها شريطة ألا يذهب إلى توقيع الإتفاق )
وهنا لا بد من ذكر والإضاءة على هذه الواقعة الهامة :
أراد كريم بقرادوني الصعود الى دمشق لإبداء رأيه أمام القيادة السورية سائلا حبيقة رأيه ، فما كان من الاخير إلا مُرحباً ، واصطحبه بسيارته الخاصة الى دمشق ، عرض بقرادوني ما كان يريد إسماعه الى السوريين ، ولكنه ذهب وقابل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام ، مستفسرا منه عن موقع جعجع وحصته بعد توقيع الإتفاق إذا سار به ، ( وهذا ما كان يطالب به حبيقة أيضا ويصر عليه ) فور تشكيل الحكومة العتيدة ،
فكان رد خدام مايلي :
تَعرِف يا كريم حساسية منطقة الشمال ما بين جعجع وآل فرنجية اصدقائنا وحلفائنا ، راهنا لا نستطيع إعطاء جعجع جائزة ترضية في الوزارة لنخسر بالمقابل علاقتنا التاريخية مع آل فرنجية ربما لاحقا سنعطي جعجع موقعا عندما سنعالج المسألة )
بعودة الوفد الى بيروت حمل بقرادوني ردّ خدام ساخناً الى جعجع وكأنه رمى الزيت على نار 🔥 التحفّظ وخسارته موقعا له في السُلطة .
تقاطُع مصالح جعجع – الجميّل ادت الى تحالفهما للإنقلاب على الإتفاق الثلاثي ( ونُطلق عليه تسمية الإنقلاب وليس الإنتفاضة كما يروجها البعض لإختلاف جذري في المِعنيين ، سنوضح خلفيات وأسباب الإنقلاب في منشور لاحق كما أشرنا )
* العودة الى الإجتماع المسيحي الموسَّع في الصرح البطريركي في بكركي ،
- بدوره ايلي حبيقة المعني بتوقيع الإتفاق عن القوات اللبنانية أجرى بعد استماعه لمداخلات وآراء الحاضرين ، أجرى مطالعة مطوّلة أوضح بخلالها حيثيات هذا الإتفاق وخلفياته وأسبابه الموجبة وتوقيته مٌفَنِدا بنود الإتفاق ومزيلا للإلتباسات خاصة لعدم الاطلاع من قبل البعض عليه وسوء الفهم نتيجة الحملات المُضلِلة والإفتراءات العشوائية ( لأن الأنسان عدو ما يَجهل ) ، خاتما مطالعته بقوله ( انا مقتنع تمام القناعة بضرورة المضي بهذا الإتفاق الثلاثي والسير به وتوقيعه للأسباب الموضوعية التي شرحتها كفاية لكم ، ومن مصلحتنا كمسيحيين أولا أن نتبناه ، فإن لم نمضِ به الآن ونحن بكامل قوتنا وجهوزيتنا وبندقيتنا لا تزال في يدنا ورأسنا مرفوع ،

- وإني اؤكد لكم أنه من الأفضل لنا توقيعه الآن لوقف الحرب العبثية وللحدّ من خسائر مجتمعنا ومعاناة شعبنا ووقف نزيف التهجير والهجرة ، وإلا سيأتي يوم نوقّع فيه اتفاق مرغمين صاغرين وبندقيتنا مكسورة ومنهزمين ،
- بناءً عليه ولقناعتي التامة بجدواه انا ذاهب غدا للتوقيع ) واسمعوا جيدا ما سأقوله
- ( إذا نجَح الإتفاق سوف ينعكِسُ ايجابا عليكم وعلى مجتمعنا برمّته والكل سيستفيد من ايجابياته ،
- وإذا ما فشل هذا الإتفاق فإني اتحمل وحدي وبصورة شخصية مسؤولية فشلِهِ )
- إشارة الى ان هذا الإتفاق بين الميليشيات المتقاتلة ، كان مفترض لاحقا أن يُطرح في مجلس النواب ليناقَش ويُصار الى تعديل ما يَلزم منه ومن ثم يتم التصويت عليه ليكتسب شرعيته كما حصل في “دستور الطائف” ،
لكن للأسف ما كان قد حذّر منه حبيقة حصل ، وذهبنا الى الطائف مكسورين صاغرين ومناطقنا مدمرة كما ومقدرات مجتمعنا و بعد سقوط آلاف القتلى والجرحى والمعوقين - ( جراء ما سمي بحرب الإلغاء او حرب عون – جعجع ) علاوة عن هجرة ما يقارب الخمسماية الف مواطن مسيحي الى بلاد الاغتراب .
- قصة القَسَم على الإنجيل .*
عند أنتهاء اللقاء المسيحي الموسّع ، طلب الأباتي بولس نعمان من كل من ايلي حبيقة وسمير جعجع مرافقته الى مكتب جانبي ، وبعد مقدمة صغيرة طلب منهما أن يقسُما اليمين على الإنجيل المقدّس الموضوع امامهما ، بألا يتحول الخلاف او الإختلاف بوجهات النظر داخل القوات الى مواجهات عسكرية دموية ،
ففعلا وأقسما أمامه على ذلك وخرجا .
رافق الأباتي بولس نعمان مودّعا ايلي حبيقة داعيا له بالتوفيق بمهمته هذه وعندما همّ الاخير للمغادرة ، التفت ايلي حبيقة نحوه قائلا :
” حضرة الأباتي صحيح أننا اقسَمنا على الإنجيل المقدّس انا وسمير كي لا تحصل مواجهات دموية ، لكني أجزم لك انه من ناحيتي سوف التزم لكن ستحصل مواجهات عسكرية دموية ( وهنا بدت علامات الإستهجان على وجه الاباتي نعمان الذي بقي صامتا ) وتابع حبيقة قائلا ” انا اعرف سمير جعجع تمام المعرفة” وغادر الصرح .
اثناء مغادرته صرح بكركي نزولا على درجه صادف حبيقة نزول الرئيس شمعون مغادرا أيضا وفي دردشة قصيرة عن موضوع الإتفاق ، قال شمعون لحبيقة بعد أن ربَتَ
على كتِفٍهٍ ما حرفيته :
” روح يا ابني وقّع الإتفاق وإلا رايحين عالهلاك “
وبعد ذلك حصل ما حصل ، إلتزم حبيقة بقسَمه على الإنجيل بينما نكص جعجع بقسَمه ، وحصل إنقلاب دموي اطاح بحوالى اربعماية مقاتل من الطرفين وتلاه عمليات قتل وقمع واغتيال وخطف وإخفاء وملاحقات وتطورات دراماتيكية انهكت المجتمع المسيحي المتخبّط في فقدانه لرؤيا استراتيجية تَحفظ وجوده لسنوات مقبلات .
ملاحظة :
هذه المعلومات الشهادات ليست مُحرّفة او من نسج الخيال ، إنما ننشرها كونها حقائق دامغة معيوشة موثقة مستقاة ممن عايشوا عن قرب تلك المرحلة وفي الدوائر الصغرى لمواقع القرار ، بعضها تقاطع مع أكثر من مصدر والبعض الآخر سرديات من المعنيين مباشرة لم تخرج بكامل تفاصيلها الى العلن ولا مرة ،
ولنا ما نقوله وما لم يعرفه سوى القليل من اترابنا والرأي العام الذين نحترم ونجلّ ،
والسلام .
- قصة القَسَم على الإنجيل .*



