لبنان بين اختبار تنفيذ اتفاق الإطار
واتساع جبهة المعارضين
عصام شلهوب – وجوه واحداث
يدخل لبنان مرحلة سياسية جديدة بعد توقيع اتفاق الإطار برعاية أميركية، إلا أن الأيام الأولى التي أعقبت التوقيع أظهرت أن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى الاتفاق، بل في كيفية تنفيذه وسط انقسام داخلي حاد بين مؤيديه ومعارضيه.
فعلى المستوى الرسمي، تواصل الدولة اللبنانية اتصالاتها مع الولايات المتحدة والدول الراعية لوضع آليات تنفيذ الاتفاق، الذي ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق في الجنوب مقابل انتشار الجيش اللبناني، ضمن ترتيبات أمنية تشرف عليها آلية تنسيق دولية. وفي المقابل، تؤكد إسرائيل أنها ستبقي قواتها في بعض المناطق إلى حين استكمال تنفيذ الالتزامات الأمنية الواردة في الاتفاق. وتشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد اجتماعات تقنية وعسكرية لمتابعة التنفيذ، بالتوازي مع استمرار الدعم الدولي للجيش اللبناني وإطلاق مسار إعادة الإعمار.
ميدانياً، بقي الوضع الأمني في الجنوب حذراً. فالجيش اللبناني وقوات اليونيفيل يواصلان مراقبة خطوط التماس، فيما تستمر الخروقات المحدودة والضربات الإسرائيلية الموضعية، الأمر الذي يعكس هشاشة التهدئة ويؤكد أن نجاح الاتفاق سيبقى مرتبطاً بمدى التزام جميع الأطراف ومنع أي تصعيد يعيد المنطقة إلى المواجهة العسكرية. (Reuters)
سياسياً، اتسعت دائرة المعارضين للاتفاق ولم تعد تقتصر على حزب الله.
فقد أعلن حزب الله رفضه القاطع للاتفاق، واعتبره “باطلاً” لأنه يربط الانسحاب الإسرائيلي بملف سلاح الحزب، مؤكداً أنه لن يقبل بأي صيغة تمس بما يعتبره حق المقاومة في الدفاع عن لبنان. (Reuters)
وفي موقف لا يقل حدة، رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري سقف اعتراضه، إذ أكد أمام زواره أن “اتفاق واشنطن سيسقط كما سقط اتفاق 17 أيار”، معتبراً أن الاتفاق لا يحفظ حقوق لبنان ويشكل تنازلاً سياسياً لا يمكن القبول به. ويستند بري في رهانه إلى أن تبدل التوازنات الداخلية والإقليمية قد يؤدي إلى تعطيل الاتفاق كما حدث عام 1984، عندما أُلغي اتفاق 17 أيار. (Instagram)
أما الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، فقد اتخذ موقفاً أكثر تمايزاً. فهو لا يرفض وقف الحرب أو التفاوض من حيث المبدأ، لكنه يرى أن الحد الأقصى الذي يستطيع لبنان القبول به هو العودة إلى اتفاق الهدنة لعام 1949 مع إدخال تعديلات عليه، بدلاً من الذهاب إلى اتفاق جديد قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية أوسع مع إسرائيل. كما شدد على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، والإبقاء على قوات اليونيفيل في الجنوب باعتبارها عنصر استقرار أساسياً. (L’Orient Today)
ومن جهته، يقف رئيس تيار المردة سليمان فرنجية في موقع قريب من موقف بري وحزب الله، معتبراً أن الاتفاق بصيغته الحالية لا يوفر الضمانات الكافية للبنان، وأن أي تسوية يجب ألا تأتي على حساب عناصر القوة اللبنانية أو الحقوق الوطنية، داعياً إلى مقاربة مختلفة تحفظ التوازن في أي مفاوضات مقبلة. (Facebook)
في المقابل، تتمسك رئاسة الجمهورية والحكومة بخيار تنفيذ الاتفاق باعتباره فرصة لإنهاء الحرب، واستعادة الاستقرار، وإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد والإعمار، مستندتين إلى دعم أميركي ودولي واسع لهذا المسار. (Reuters)
وعليه، يبدو أن لبنان يدخل مرحلة جديدة عنوانها الصراع السياسي حول تنفيذ الاتفاق أكثر من الصراع العسكري على الحدود. فالمعارضة التي يقودها حزب الله ونبيه بري، ويلتقي معها بدرجات متفاوتة كل من وليد جنبلاط وسليمان فرنجية، تسعى إلى تعديل المسار أو إسقاط الاتفاق، فيما تراهن الدولة اللبنانية والدول الراعية على تثبيت الاتفاق باعتباره مدخلاً لاستعادة سيادة الدولة وإنهاء مرحلة المواجهات المفتوحة.
ويبقى السؤال الأساسي في الأيام المقبلة: هل تنجح القوى المعارضة في تكرار تجربة إسقاط اتفاق 17 أيار، أم أن اختلاف موازين القوى الداخلية، والدعم الدولي غير المسبوق للدولة اللبنانية، سيجعلان اتفاق الإطار أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه؟



