لماذا اغتيل إيلي حبيقة ؟

كلما ذُكر اسم إيلي حبيقة عاد السؤال نفسه ليفرض حضوره: لماذا اغتيل الرجل؟

هل لأنّه كان يستعد للذهاب إلى بلجيكا ليدلي بشهادته ويواجه الاتهامات التي حيكت حوله منذ سنوات؟ هل لأنّ هناك من لم يكن يريد لسردية معينة أن تُناقش أو تُراجع أو أن تُوضع أمام الوقائع؟ ربما كان ذلك جزءاً من المشهد، لكنه لم يكن المشهد كله.

السبب الحقيقي لاغتيال إيلي حبيقة كان أخطر من أي شهادة وأعمق من أي ملف قضائي.

لقد اغتيل لأنه امتلك رؤية للبنان تختلف عن لبنان الذي أراده تجار الحروب وأمراء المصالح والفاسدون. اغتيل لأنه انتقل من عقلية المقاتل إلى عقلية رجل الدولة، ومن منطق البندقية إلى منطق بناء المؤسسات. اغتيل لأنه بدأ يتحدث عن دولة حديثة لا مكان فيها للسمسرة السياسية ولا لاقتصاد النهب ولا لثقافة الميليشيات المقنعة بأسماء مختلفة.

في محاضرته الأخيرة في «فوروم دو بيروت»، لم يكن حبيقة يخاطب جمهوره فحسب، بل كان يرسم مشروعاً وطنياً كاملاً للبنان المستقبل. تحدث عن الإدارة الحديثة، وعن اقتصاد منتج، وعن مؤسسات قوية، وعن مكافحة الفساد الذي كان ينهش الدولة، وعن ضرورة تحرير اللبناني من قيود الزبائنية والطائفية. تحدث عن وطن يكون فيه المواطن مواطناً لا تابعاً، وعن دولة يحكمها القانون لا النفوذ.

كان يدرك أن لبنان لا يمكن أن يستمر رهينة الانقسامات والحروب والولاءات الخارجية. وكان يؤمن أن استمرار هذا الواقع سيقود البلد إلى الانهيار مهما تأخر الموعد. لذلك دعا إلى الانتقال من الطائفية إلى الدولة المدنية، ومن منطق الحصص إلى منطق الكفاءة، ومن ثقافة الخوف إلى ثقافة المواطنة.

كان يرى لبنان كما يجب أن يكون، لا كما أراد له الآخرون أن يبقى.

ولهذا كان وجوده مزعجاً. فالرجل الذي يمتلك مشروعاً حقيقياً أخطر بكثير من الرجل الذي يحمل شعاراً. والرجل الذي يستطيع إقناع الناس برؤية جديدة أخطر بكثير من الرجل الذي يكتفي بإدارة الأزمات. لذلك لم يكن المستهدف شخص إيلي حبيقة فقط، بل الفكرة التي كان يحملها، والمشروع الذي كان يبشر به، والطموح الذي أراد أن ينقله إلى اللبنانيين.

لقد أرادوا إسكات الصوت قبل أن يتحول إلى حركة، وإطفاء الفكرة قبل أن تصبح مشروع دولة.

واليوم، بعد سنوات طويلة على اغتياله، ينظر اللبنانيون إلى وطن أنهكته الأزمات والانقسامات والفساد والهجرة والانهيار الاقتصادي، ويتساءل كثيرون: كم من الأفكار التي تحدث عنها حبيقة تحولت إلى حقائق مؤلمة نعيشها اليوم؟ وكم من التحذيرات التي أطلقها أصبحت واقعاً يومياً يثقل حياة اللبنانيين؟

ربما يمكن اغتيال رجل، لكن لا يمكن اغتيال فكرة. وربما يمكن إسكات صوت، لكن لا يمكن محو أثره من ذاكرة من عرف قيمته.

لقد رحل إيلي حبيقة وهو يعلم أن السير عكس التيار له ثمن، وأن مواجهة أصحاب المصالح لا تمر من دون عقاب. لكنه اختار أن يبقى متمسكاً بقناعاته حتى النهاية، وأن يواجه مصيره مرفوع الرأس، مؤمناً بأن لبنان يستحق دولة حقيقية لا مجرد شعارات.

ولهذا لم يكن اغتياله نهاية رجل فقط، بل كان اغتيالاً لحلمٍ كبيرٍ بوطنٍ كان يمكن أن يكون مختلفاً

عن صفحة بلدة يسكنا