في المتن، لا تبدو قضية الشاطئ المجاني في ضبية تفصيلاً إنمائياً عادياً. فالمنطقة التي تمتد على ساحل طويل، لا تملك فعلياً مساحة بحرية عامة يستطيع الأهالي الوصول إليها بسهولة ومن دون بدل دخول. لذلك، فإن أي مشروع يفتح البحر أمام الناس، ولو موسمياً، يتحوّل تلقائياً إلى ملف حساس، خصوصاً في بلد تحوّلت فيه الأملاك البحرية إلى مساحة مقفلة في وجه القسم الأكبر من المواطنين.
ما يحصل اليوم في ضبية كان يمكن أن يُقرأ من زاوية بسيطة: بلدية تعمل، ضمن ظروف صعبة، على تنظيف الشاطئ وتهيئته ليكون صالحاً لموسم العوم، عبر تنظيم مساحة عامة مجانية ومحددة. لكن الملف خرج سريعاً من هذا الإطار، ليتحوّل إلى مادة تجاذب بين الإعلام والسياسة ومواقع التواصل الاجتماعي، وسط روايات متناقضة بين من يتحدث عن مخالفات، ومن يعتبر أن ما يحصل هو محاولة لضرب مشروع ينتظره أهالي المتن.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن مساحة الشاطئ مقسومة إلى قسمين: الأول تبلغ مساحته نحو 7000 متر، والثاني نحو 11 ألف متر. والفكرة الأساسية تقوم على تنظيف شاطئ ضبية، وتنظيمه، والحصول على التراخيص اللازمة لاستثماره موسمياً خلال فترة السباحة، لا تحويله إلى مشروع دائم أو مقفل. أي أن المسألة، في جوهرها، لا تتعلق بمنتجع خاص، بل بمساحة يفترض أن تبقى مفتوحة أمام الناس وتليق بهم، والاهم بشكل مجاني.
بلدية الضبية – ذوق الخراب – عوكر – حارة البلانة أوضحت في بيانها أن المشروع لا يقوم على منفعة خاصة، وأن الأشغال تتم ضمن الأصول القانونية والموافقات المطلوبة. كما نفت أن يكون الهدف تغيير طبيعة الشاطئ أو المساس بالملك العام البحري. لكن السؤال اليوم لم يعد محصوراً بالبيان ولا بالردود عليه. السؤال الأهم: هل تؤدي هذه الضجة إلى تجميد مشروع يحتاجه المتنيون؟ وهل يصبح الشاطئ المجاني ضحية جديدة للتجاذبات، كما حصل مع ملفات كثيرة تبدأ بفكرة عامة وتنتهي داخل زواريب الاتهامات والشكوك؟
في منطقة مثل المتن، لا يملك الناس ترف خسارة مساحة كهذه. صحيح أن أي مشروع على الأملاك البحرية يجب أن يخضع للرقابة والقانون والشفافية، وصحيح أيضاً أن البلديات ليست فوق المساءلة. لكن الصحيح كذلك أن حماية الملك العام لا تعني إقفال البحر في وجه الناس، بل تنظيمه ومنع تحويله إلى استثمار خاص أو مساحة عشوائية. لذلك، فإن المطلوب اليوم مقاربة هادئة لا تقوم على التخوين ولا على التصفيق. المطلوب أن تُعرض المستندات بوضوح، وأن تُحدَّد طبيعة الأشغال والتراخيص وحدود الاستثمار الموسمي، وأن يبقى القرار النهائي مبنياً على القانون لا على ضغط مواقع التواصل أو الحسابات السياسية.
شاطئ ضبية ليس مشروعاً ضخماً، لكنه يحمل معنى كبيراً لأهالي المتن. هو مساحة صغيرة في معركة طويلة بين المواطن والبحر. فإذا كان المشروع قانونياً ومجانياً وموسمياً كما يُقال، فإن خسارته ستكون خسارة للناس قبل أن تكون خسارة للبلدية. أما إذا وُجدت ملاحظات جدية، فتصحيحها يجب أن يكون لحماية الشاطئ لا لدفنه.



