وديع الخازن إن حكى عن العميد

كتب الوزير السابق الشيخ وديع الخازن ليخبر أحيال اليوم والمستقبل عن عميد قاوم من أجل لبنان بالكلمة والموقف.. العميد ريمون إده:

يمتدّ فكر العميد ريمون إده في مقاربته لإسرائيل من لحظة قيام الدولة العبرية حتى نهاية حياته السياسية، بوصفه رؤية لبنانية سيادية متماسكة لا تُختزل بمرحلة أو ظرف، بل تقوم على ثابتة واحدة: أن لبنان، في نظر العميد ريمون إده، لا يُدار إلا بوحدته الداخلية، ولا يُحمي إلا بقرار وطني جامع، ولا يدخل أي مسار تفاوضي خارجي إلا وهو متماسك من الداخل.
منذ ستينيات القرن الماضي، كان العميد ريمون إده يكرّر بوضوح أن أخطر ما يمكن أن يصيب لبنان هو أن يتحول إلى ساحة صراع بالوكالة، وأن أي انقسام داخلي حول الخيارات الكبرى ينعكس مباشرة على أمنه وسيادته. وكان العميد إده يعتبر أن “الانقسام اللبناني أخطر من العدو الخارجي”، لأن الدولة الضعيفة داخلياً تفقد القدرة على إدارة أي مواجهة أو تفاوض. وفي هذا السياق، شدّد العميد على أن “لا معنى لأي سياسة خارجية إذا لم يكن اللبنانيون متفاهمين على جوهر دولتهم أولاً”، في إشارة دائمة إلى أولوية التماسك الداخلي قبل أي استحقاق إقليمي أو دولي.
ومع تصاعد التوترات على الحدود الجنوبية منذ أواخر الستينيات، كان العميد ريمون إده من أوائل من حذّر من استخدام الأراضي اللبنانية في أي عمل عسكري قد يجرّ البلاد إلى ردود فعل إسرائيلية مباشرة. وقد رأى أن الدولة التي تفقد السيطرة على قرار الحرب والسلم تفقد تدريجياً قدرتها على حماية نفسها. ومن هنا كان يؤكد أن “القرار الواحد للدولة ليس خياراً سياسياً بل شرط بقاء”، وهو موقف يتكرر في أدبياته وخطاباته السياسية.
وفي عام 1969، ومع توقيع اتفاق القاهرة، عبّر العميد رفضه القاطع لأي صيغة تسمح بوجود سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية. ولم يكن موقفه موجهاً ضد جهة بعينها بقدر ما كان دفاعاً عن فكرة الدولة نفسها، إذ كان يرى أن أي ازدواجية في السلاح تؤدي إلى ازدواجية في القرار، وبالتالي إلى انكشاف لبنان أمام صراعات لا يملك التحكم بمسارها ولا نتائجها. وكان يربط دائماً بين قوة الدولة ووحدة قرارها، قائلاً بمعنى موقفه المتكرر إن “الدولة التي لا تحتكر قرارها لا تستطيع أن تفاوض أحداً باسم شعبها”.
ومع اندلاع الحرب اللبنانية، تعمّق موقفه في الدعوة إلى التماسك الداخلي ورفض تحويل لبنان إلى ساحة استقواء بأي طرف خارجي. فقد كان يرى أن الانقسام الداخلي يُسقط القدرة على التمييز بين العدو والصديق، وأن أي اصطفاف لبناني على حساب الوحدة الوطنية يؤدي إلى انهيار الدولة من داخلها قبل أن يهددها الخارج. لذلك كان يقدّم دائماً أولوية “إعادة بناء الدولة المتفاهمة على ذاتها” قبل أي نقاش في الاستراتيجيات الإقليمية أو التسويات الدولية.
ومع الاجتياحات الإسرائيلية واحتلال أجزاء من الجنوب، دخل لبنان مرحلة جديدة مع نشوء المقاومة اللبنانية بكل أطيافها، وفي مقدمتها لاحقاً حزب الله، التي اعتبرت أن تحرير الأرض لا يتحقق إلا بالمواجهة المباشرة. وفي هذا السياق المعقّد، بقيت مقاربة العميد قائمة على مبدأ مزدوج: رفض الاحتلال الإسرائيلي من جهة، والتمسك من جهة ثانية بأن أي خيار مواجهة أو تفاوض يجب أن يصدر عن دولة موحّدة الإرادة والقرار.
فالعميد ريمون إده لم يفصل يوماً بين حق الدفاع عن الأرض وضرورة انتظام القرار داخل الدولة، بل كان يعتبر أن قوة أي خيار لبناني، مقاومة كان أم تفاوضاً، تنبع من وحدة الداخل لا من تشتته.
ومع انسحاب إسرائيل من معظم الجنوب عام 2000، ثم استمرار التوترات على الحدود، بقيت الأسئلة التي طرحها حاضرة بقوة: كيف يمكن للبنان أن يحمي نفسه من دون أن ينهك بنيته الداخلية؟ وكيف يمكن إدارة التفاوض أو المواجهة في ظل انقسام سياسي عميق؟ وكيف يمكن تحويل التعدد اللبناني من عامل ضعف إلى عنصر قوة؟
إن خلاصة فكر العميد ريمون إده لا تقوم على منطق الغلبة أو الإقصاء، بل على منطق الدولة الجامعة. فهو الذي كان يرى أن “لا قيمة لأي انتصار خارجي إذا كان الداخل منقسماً”، وأن “التفاهم اللبناني هو الشرط الأول لأي سياسة خارجية ناجحة”، وأن “أي تفاوض مع الخارج، أيّاً كان، لا يُبنى إلا على وحدة داخلية مسبقة”.
ومن هنا، يمكن تلخيص هذا المسار الطويل بما يشبه القاعدة التي تختصر رؤية العميد ريمون إده للبنان:
لبنان، في فكر ريمون إده، لا يُحمى إلا بوحدته، ولا يتفاوض إلا بصوته الواحد، ولا ينهض إلا حين يسبق التفاهم الداخلي كل نقاش خارجي، لأن السيادة تبدأ من الداخل قبل أن تُمارس في الخارج.
وديع الخازن.