عصام شلهوب
ما جرى اليوم ليس “حادثًا عابرًا”، بل اعتداء موصوف على قوة دولية تعمل تحت مظلة الشرعية الأممية، وتحديدًا قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، التي أُنشئت أصلًا بموجب مجلس الأمن الدولي بعد الاجتياحات الإسرائيلية، بهدف تثبيت الاستقرار في الجنوب وحماية المدنيين.
قتل جندي فرنسي من قوة حفظ السلام ليس فقط جريمة أمنية، بل ضربة مباشرة لما تبقّى من صورة لبنان أمام المجتمع الدولي. فرنسا، التي تشارك عبر الجيش الفرنسي في هذه المهمة، لم تأتِ إلى الجنوب لمصلحة سياسية ضيقة، بل ضمن التزام دولي واضح، يندرج ضمن القرار 1701، الذي يفترض أن جميع الأطراف اللبنانية وافقت عليه. الاعتداء على هذه القوة هو عمليًا اعتداء على هذا الالتزام، وعلى كل محاولة لإبقاء الجنوب خارج الفوضى الشاملة.
الأخطر من ذلك هو النكران أو التبرير. أي خطاب يحاول تغليف هذا الكمين أو تبريره، هو إما جهل فاضح أو تواطؤ مكشوف. لأن الوقائع واضحة: اليونيفيل، رغم كل الانتقادات، كانت خلال السنوات الماضية من الجهات القليلة التي حافظت على حدّ أدنى من الاستقرار، وساهمت في دعم المجتمعات المحلية، من خلال مشاريع بنى تحتية، مساعدات إنسانية، ودعم لوجستي—وهو أمر موثق في تقارير الأمم المتحدة السنوية حول عمليات حفظ السلام.
وفق بيانات رسمية للأمم المتحدة، نفّذت اليونيفيل آلاف المشاريع المدنية في القرى الجنوبية (طرقات، مياه، مدارس، دعم بلديات)، في وقت كانت فيه الدولة اللبنانية غائبة أو عاجزة. هذا ليس رأيًا، بل واقع مثبت في تقارير الأمين العام للأمم المتحدة حول تنفيذ القرار 1701.
الرسالة من هذا الكمين واضحة وخطيرة: هناك من يريد الجنوب ساحة سائبة بلا رادع، ويريد قطع أي صلة للبنان بالمجتمع الدولي، حتى لو كان الثمن دماء جنود أتوا بقرار دولي لحمايته. هذا ليس “مقاومة”، بل عبث أمني يضرب مصالح اللبنانيين أولًا.
أما من يهلل أو يبرر، فعليه أن يجيب بصراحة: ماذا قدّم هذا النهج للجنوب؟ هل بنى مؤسسات؟ هل أعاد دولة؟ أم أنه فقط كرّس واقعًا خارجًا عن القانون، يهدد كل استقرار ممكن؟
الخلاصة القاسية: من يستهدف اليونيفيل اليوم، لا يدافع عن لبنان—بل يدفعه خطوة إضافية نحو العزلة والانهيار.



