فتنة في لبنان: جريمة يصنعها المحرّضون قبل أن تلتهم الجميع (عصام شلهوب)

تختلط الحقائق بالشائعات، في زمن يعلو فيه صوت التحريض على حساب صوت العقل، يعود شبح الفتنة ليُطرح كأنّه قدرٌ محتوم، لا خيار للبنانيين إلا الاستسلام له. لكن الحقيقة الأخطر ليست في الفتنة نفسها، بل في أولئك الذين ينفخون في رمادها، ويحوّلونها إلى مشروع يومي للاستثمار السياسي والطائفي.

ما يُشاع اليوم عن “الفتنة” ليس بريئًا في كثير من الأحيان. فهناك من يتعمد تضخيم التوترات، ومن يقتات على الخوف، ومن يزرع الشك بين أبناء الوطن الواحد. هؤلاء لا يحذّرون من الفتنة بقدر ما يساهمون في صناعتها، يقدّمون أنفسهم كحرّاس للسلم الأهلي، فيما هم في الواقع أوّل من يخرقه بالكلمة والموقف والتحريض.

الفتنة، حين تبدأ، لا تفرّق بين مذنب وبريء. لا تبقي مؤسسات، ولا تحفظ كرامات، ولا تعترف بحدود. هي نار إذا اشتعلت أحرقت الجميع، وأولهم أولئك الذين أوهموا أنفسهم أنهم قادرون على توجيهها أو السيطرة عليها. والتاريخ اللبناني، القريب قبل البعيد، شاهد حي على أن اللعب بهذه الورقة هو انتحار جماعي، لا مناورة سياسية.

أما المساوئ، فهي كارثية بكل المعايير:
• تفكك المجتمع وتحويل الناس إلى جماعات خائفة متقابلة بدل أن يكونوا مواطنين متضامنين.
• انهيار ما تبقى من الدولة، لأن الفتنة تقضي على أي إمكانية لحكم أو قانون.
• ضرب الاقتصاد والمعيشة، إذ لا استثمار ولا عمل في بيئة مشتعلة.
• فتح الباب للتدخلات الخارجية، حيث تتحول البلاد إلى ساحة مستباحة.

والأخطر من ذلك كله، أن الفتنة تُعيد إنتاج نفسها، فتغدو ثقافة وخطابًا وسلوكًا، يصعب الخروج منه لسنوات طويلة.

من هنا، لا بد من قولها بوضوح:
كل من يحرّض على الفتنة، أو يلمّح لها، أو يستخدمها كورقة ضغط، هو شريك مباشر في تدمير لبنان. لا عذر له، ولا مبرر، مهما لبس من شعارات أو ادّعى من حرص. لأن الوطنية لا تُقاس بالصراخ، بل بالمسؤولية، ولا تُثبت بإثارة الغرائز، بل بحماية الناس منها.

لبنان اليوم لا يحتاج من يُخيف أبناءه من بعضهم، بل من يردم الهوة بينهم. لا يحتاج من يضخّم الخطر الداخلي، بل من يطفئ شرارته قبل أن تتحول إلى حريق.

فالفتنة لا “تُستشرف”… بل تُمنع.
ولا تُحكى… بل تُخمد.