في هذا اليوم الحزين، الذي نشعر فيه بغصّةٍ عميقة، في هذا اليوم الذي يختلف عن سائر أيّام السنة، تقف الكنيسة أمام سرٍّ رهيبٍ وعظيم: سرّ موت يسوع على الصليب. اليوم نتطلّع إلى الجلجلة، فنرى مخلّص العالم مرفوعًا على الخشبة، ونقول من أعماق قلوبنا: ما أعظمك يا رب، وما أصغرنا نحن البشر أمام محبتك. ما أعظمك يا رب، معلّقًا على الصليب، حاملًا أوجاعنا وخطايانا، صامتًا، لكنّ حبّك يصرخ أقوى من الألم.
الصليب، الذي كان علامة عارٍ وعقابٍ للمجرمين، ورمزًا للموت والذلّ، قد تحوّل بين يديك إلى علامة خلاصٍ وحياة. صار الصليب رفيق حياتنا، وشاهدًا دائمًا على محبتك لنا، والجسر الذي نعبر عليه من عذابات هذا العالم الزائل إلى فرح ملكوتك السماوي.
عندما نقف أمام الصليب، نسأل أنفسنا: ماذا فعلت يا يسوع حتى تصل إلى الموت؟ أيّ ذنبٍ ارتكبت؟ وها هو بيلاطس نفسه يشهد قائلاً: «لم أجد فيه علّة». أنت الذي شفيت المرضى، وفتحت عيون العميان، وطهّرت البرص، وأقمت الموتى، وغفرت الخطايا، وأشبعت الجياع. علّمت طريق الله، وصلّيت، وصمتّ، وبكيت مع المتألّمين. ومع ذلك، تمرّد عليك الإنسان، وخانك، وسلّمك إلى الموت. بادل محبتك بنكران، وسمّر اليدين اللتين انفتحتا لاحتضان البشرية.
وعندما نتأمّل أكثر، نرى كيف قلب الصليب كلّ الموازين: قبل الصليب غسلت أقدام تلاميذك، وعلى الصليب غسلت خطايانا بدمك الطاهر. قبل الصليب بِعت بثلاثين من الفضّة، وعلى الصليب افتديتنا بدمك الكريم. قبل الصليب طهّرت الهيكل، وعلى الصليب طهّرت قلوبنا وضمائرنا من الخطيئة. قبل الصليب عوملت كلصّ، وعلى الصليب خلّصت اللص التائب. قبل الصليب قيّدوا يديك، وعلى الصليب منحتنا الحرية الحقيقية. كنّا أمواتًا بخطايانا، وبموتك وهبتنا الحياة الأبدية.
ما أعجب أمرك يا رب! رآك العالم في تواضعك وصمتك إنسانًا ضعيفًا مهزومًا، لكنّك في الحقيقة كنت المنتصر الوحيد على عرش صليبك. هذا هو يسوع المسيح، الملك الذي لم يكن له جيش، ومع ذلك غزا العالم بمحبتِه وسلامه. هذا هو الملك الذي كُتب شعاره بالمحبّة وخُتم بدمه.
وعلى خشبة الصليب، وفي ذروة الألم، رفعت عينيك إلى السماء وقلت: «يا أبتِ اغفر لهم، لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون». إنّها كلمة تكشف عمق محبّة الله ورحمته. جاء يسوع ليمنح الحياة، فردّ الإنسان بالموت. جاء ليملأ القلوب حبًا، فردّ الإنسان بالمسامير. جاء ليهب السلام، فقوبل بالرفض. وكأنّ البشرية كلّها قالت لله: لا نريد عطاياك ولا خلاصك. ولم يقف الأمر عند الرفض، بل بلغ حدّ صلب عطية الله نفسها.
ومع ذلك، لم ينكسر قلب الله، ولم يتراجع. الإنسان رفض، أمّا الله فبقي أمينًا. الإنسان ابتعد، أمّا الله فاقترب أكثر. الإنسان أصرّ على الخطيئة، أمّا الله فأصرّ على الغفران. «ليس لأحد حبٌّ أعظم من هذا: أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه».
على الصليب نرى أنّ الله لا يستسلم أمام عناد الإنسان، ولا يملّ من المحبّة، ولا يهدأ له قلب حتّى يعود الإنسان إلى حضنه. لذلك، الصليب هو موضع الغفران الذي لا يُغلب. المسامير ثبّتت الجسد، لكنّها لم تُوقف الرحمة. والدم المسفوك لم يكن صرخة انتقام، بل نبع غفرانٍ متدفّق لخلاص الخليقة.
تأمّلوا هذا المشهد: يسوع، الحياة، معلّق بين لصّين. عن يمينه لصّ تاب وآمن، فنال الخلاص، وعن شماله لصّ قسا قلبه ورفض. كلاهما في المكان نفسه، وفي الألم ذاته، وقريبان من الخلاص، لكنّ النهاية اختلفت. فتح يسوع قلبه للجميع، لكنّ الاستجابة بقيت حرّة. هنا يكمن الوجع الحقيقي: قد نكون قريبين من يسوع، لكن بعيدين عنه بقلوبنا. وقد نكون خطأة، لكن إن رجعنا بتوبة صادقة، يفتح لنا باب ملكوته.
وفي تلك اللحظة، نظر يسوع إلى أمّه الحزينة، وإلى التلميذ الحبيب، وقال: «يا امرأة، هذا ابنك… يا يوحنا، هذه أمّك». قبل أن يسلم الروح، أراد أن يترك للبشرية علامة حبّ أخيرة: أعطانا أمّه مريم، لتكون لنا أمًّا، حضنًا نلجأ إليه، فلا يبقى إنسان يتيم. ومن تحت الصليب وُلدت علاقة جديدة: صارت مريم أمّ الكنيسة، ترافق وتشفع، وتقودنا إلى ابنها، قائلة: «افعلوا ما يقوله لكم».
يمرّ الوقت ببطء، والصمت يملأ المشهد، ويسوع يصرخ: «إلهي إلهي، لماذا تركتني؟». إنّها صرخة كلّ إنسان مكسور ومتألّم. في تلك اللحظة، لم يكن يسوع بعيدًا عن وجعنا، بل صار صوته صدى لكل قلب موجوع.
«قد تمّ كلّ شيء»… ليست كلمة نهاية، بل ختم الحب الكامل. لحظة انكشفت فيها الحقيقة: الله لا يتراجع أمام خيانة الإنسان، والحب بلغ أقصى مداه، والغفران تفجّر كنهرٍ لا ينضب. انكسرت شوكة الموت، وانفتح باب الحياة لكلّ من يطلبها.
ثمّ أسلم يسوع الروح، مسلّمًا ذاته وديعة حبّ بين يدي الآب، بعد أن أعطى كلّ شيء. لم يبقَ شيء لم يُعطَ، حتى الموت صار عطية، والحياة صارت قربانًا.
أيّها الإخوة، ما زال المسيح اليوم مصلوبًا في كلّ إنسان متألّم ومضطهد. سيبقى مصلوبًا ما دام العدل مصلوبًا، والحق مصلوبًا، والسلام مصلوبًا.
يا إنسان، كفّ عن جرح هذا الإله الذي أحبّك! هو يريد خلاصك، يريد توبتك، يريد حياتك.
فلنعلن توبة صادقة، ولنقرّر ألّا نصلبه مرّة أخرى، بل أن نتصالح معه ومع بعضنا البعض، ونعيش برجاء القيامة، تلك القيامة التي تغلب الموت بالحياة.
علّمنا يا رب أن نفهم سرّ صليبك، وأن ندرك أنّ الغفران أقوى من الحقد، والمحبّة أقوى من الموت، والسلام أقوى من الغضب. علّمنا أن نحمل صليبنا بإيمان، لأنّك حملته قبلنا، وسرت درب الألم لتمنحنا الحياة.
اليوم تسجد الكنيسة بخشوع أمام أعظم إعلانٍ للمحبّة عرفه التاريخ. إكليل الشوك على رأسك صار أبهى من تيجان الملوك، والمسامير في يديك أقوى من صولجانات الأباطرة، وصليبك أعظم من كل عروش الأرض.
لذلك نردّد مع القديس بولس:
«حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربّنا يسوع المسيح».
وأمام هذه المحبّة العظيمة، لا يسعنا إلا أن نركع ونقول بإيمان:
نسجد لآلامك أيها المسيح ونباركك، لأنك بآلامك خلّصت العالم. آمين
الأب إيلي قرقماز
دير مار إلياس الرأس جعيتا



