/ كذبة الأول من نيسان لم تعد اليوم مجرد مزحة بريئة، خصوصًا في ظل الحروب والتوترات القائمة. فقد تجاوزت حدود الدعابة لتصبح كذبات سياسية وأمنية واقتصادية وبيئية، تستند إلى أجندات محلية وإقليمية، وتُبرز قدرة الكلمة على خداع العقول وصناعة واقع وهمي.
/ في التاريخ الحديث، خلال حرب ١٩٦٧ بين الجيوش العربية وإسرائيل بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، برز اسم الاعلامي أحمد سعيد، مدير إذاعة “صوت العرب” في القاهرة، الذي كان يبث يوميًا بيانات متفائلة عن انتصارات العرب، في حين حققت إسرائيل تقدّمًا عسكريًا حاسمًا في ستة أيام فقط ! عاش الرأي العام العربي على وقع رواية النصر الوهمي، لتترك هذه التجربة الإعلامية المضللة جرحًا عميقًا في الوعي الجماعي، يُعرف لغاية اليوم باسم “نكسة ١٩٦٧”حيث احتلت إسرائيل مزيدًا من الأراضي الفلسطينية.
/ أما في الغرب، فقد جسّد جوزيف غوبلز، وزير الدعاية الألماني في عهد أدولف هتلر، نموذجًا أكثر تنظيمًا وخطورة في حربه ضد الحلفاء. فقد أدرك أن السيطرة على وسائل الإعلام تعني السيطرة على العقول، فاحتكر الصحافة والإذاعة، وكرّر الرسائل الدعائية حتى أصبحت “حقيقة” في نظر الجمهور، مستفيدًا من مزيج الترهيب والاستعطاف لصناعة إجماع شعبي على انتصارات وهمية انتهت باستسلام هتلر عام ١٩٤٥.
/ اليوم، في ظل التوترات المتصاعدة بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، ومع محاولات زجّ لبنان في قلب هذه المواجهة، تعود الأسئلة نفسها، لكن بأدوات رقمية حديثة. لم تعد الإذاعة وحدها هي المنبر، بل دخلت “الجيوش الإلكترونية” على الخط، حيث تُدار حملات منظمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لصناعة روايات متناقضة، ويعلن فيها كل طرف “النصر” قبل أن تنتهي المعركة.
/ في هذا المشهد، يصبح المواطن محاصرًا بين سيل من المعلومات، بعضها دقيق والكثير منها موجّه، فتتكرّر تجربة أحمد سعيد، ولكن في نسخة رقمية، وتعود فلسفة غوبلز، ولكن عبر خوارزميات الانتشار الفيروسي للمحتوى.
/ وسط هذا الواقع، تظهر محاولات مضادة في لبنان لتعزيز الشفافية الإعلامية. ويبرز دور وزير الإعلام بول مرقص، المعروف بخلفيته القانونية، الذي يسعى إلى تعزيز مصداقية الخبر، ودعم الإعلام المهني والمسؤول، والحد من خطاب التعبئة والكراهية والتضليل.
/ في مواجهة مدرسة أحمد سعيد ومدرسة جوزيف غوبلز، تبدو هذه الجهود محاولة لإعادة الاعتبار للحقيقة، في زمن باتت فيه الحقيقة نفسها محل نزاع.
/ وكذبة نيسان أصبحت مرآة لواقع أعمق: عالم تُصنع فيه الروايات كما تُصنع الأحداث، وتُخاض فيه الحروب ليس بالسلاح فقط، بل بالكلمة والصورة والانطباع. والسؤال لم يعد: من يكذب أحسن؟ بل: من ينجح في جعل كذبته تُصدَّق؟



