في لبنان اليوم، لا تُقاس الخسارة فقط بعدد المباريات المؤجّلة، بل بعدد الأحلام التي وُضعت قسرًا على الهامش، وعدد الرياضيين الذين يستيقظون كل صباح دون هدف واضح، ودون يقين بأن ما بنوه لسنوات سيستمر.
في بلد اعتاد الأزمات، يعيش الرياضيون اللبنانيون واحدة من أكثر اللحظات هشاشة في مسيرتهم. فمع تصاعد الأحداث الأمنية وتوقّف البطولات، لم يخسر هؤلاء فقط فرصة المنافسة، بل فقد الكثيرون مصدر دخلهم الوحيد، وانقطعت مسارات كانوا يبنونها بتعبٍ وصبر.
الرياضة، التي كانت بالنسبة لهم نمط حياة وهوية ومسارًا مهنيًا، تحوّلت فجأة إلى فراغ ثقيل. لا مباريات، لا جمهور، ولا حتى لحظة انتظار قبل صافرة البداية. فقط صمت… وصراع داخلي لا يُرى.
ما وراء التوقّف: حين تتزعزع الهوية
تُظهر الأدبيات في علم النفس الرياضي أن هوية الرياضي (Athletic Identity) ، كما طوّرها Brewer William ، تقوم على مدى اندماج الفرد في دوره كرياضي. لكن ماذا يحدث عندما يُسحب هذا الدور فجأة؟
في الواقع اللبناني اليوم، لا يعيش الرياضي فقط توقّفًا في المنافسة، بل حالة اقتلاع نفسي. لاعب كان يقيس أيامه بين تدريب ومباراة، أصبح يقيسها بين خبر أمني وآخر. هذا التحوّل يخلق شعورًا مؤلمًا بفقدان الذات، كأن الرياضي لم يعد يعرف موقعه في العالم.
هذا الإحساس يتقاطع مع ما تصفه نظريات الصدمة النفسية، حيث يعيش الفرد في حالة ترقّب دائم، بين القلق على مستقبله المهني والخوف على واقعه اليومي. إنه ضغط لا يُرى، لكنه يُثقل الجسد والعقل معًا.
الصمود النفسي: محاولة للتماسك في عالم متفكّك
ورغم كل ذلك، لا يتوقّف الجميع. هنا يظهر الصمود، لا كشعار، بل كفعل يومي صامت. الصمود هو أن ينهض الرياضي صباحًا ليتمرّن، رغم أنه لا يعرف متى سيلعب مجددًا. هو أن يحافظ على نظامه الغذائي، رغم أن لا بطولة تلوح في الأفق. هو أن يقاوم فكرة الاستسلام، حتى في أكثر اللحظات ضعفًا.
تشير Ann Masten إلى أن الصمود ليس قدرة خارقة، بل “عملية عادية” تنبع من محاولة الإنسان الحفاظ على توازنه. في لبنان، يتحوّل هذا “العادي” إلى فعل استثنائي.
يمكن أن نرى ذلك في لاعب يدرّب نفسه في مساحة ضيّقة داخل منزله، أو في مدرّب يجمع مجموعة صغيرة من الشباب ليمنحهم شعورًا بالاستمرارية. هذه التفاصيل الصغيرة ليست هامشية، بل هي جوهر الصمود.
حين تختفي المنافسة، ماذا يبقى من الدافعية؟
تفسّر Self-Determination Theory، التي طوّرها Edward DeciوRichard Ryan، أن الإنسان يحتاج إلى الشعور بالكفاءة والانتماء والاستقلالية ليبقى محفّزًا.
لكن في زمن الحرب، تتآكل هذه الركائز. اللاعب لم يعد يختبر نفسه في المنافسة، فقد جزءًا من انتمائه لفريقه، وأصبح أسير ظروف لا يتحكّم بها. هنا، لا يكون تراجع الدافعية ضعفًا، بل ردّ فعل إنساني طبيعي على واقع غير طبيعي.
ومع ذلك، يستمر البعض. ليس لأن الظروف مواتية، بل لأنهم يرفضون أن تُسلب منهم هذه الهوية بالكامل.
الحرب كضغط مستمر… وإمكانية للنمو.
في الحروب، لا تكون الصدمة لحظة عابرة، بل حالة ممتدّة. هذا ما يُعرف بالضغط المزمن، الذي قد يقود إلى الإرهاق النفسي. لكن في المقابل، تشير بعض الدراسات إلى إمكانية ظهور ما يُعرف بـ”النمو ما بعد الصدمة”.
قد نجد هذا في رياضي بدأ يرى التدريب كوسيلة للنجاة النفسية، لا فقط وسيلة للفوز. أو في لاعب أعاد تعريف النجاح، من منصة تتويج إلى القدرة على الاستمرار يومًا إضافيًا دون أن ينهار.
الرياضة كملاذ داخلي
في هذا السياق، تصبح الرياضة أكثر من نشاط بدني. إنها مساحة داخلية للهدوء، لحظة يخرج فيها الرياضي من ضجيج الواقع إلى إيقاع مألوف: نفس، حركة، تركيز.
حتى أبسط تمرين قد يحمل معنى عميقًا. جريٌ في شارع شبه فارغ، تمارين في غرفة ضيّقة، أو كرة تُركل في ساحة صغيرة… كلها لحظات تعيد للرياضي إحساسه بأنه ما زال قادرًا على الفعل، على السيطرة، على الاستمرار.
بين الرحيل والبقاء: سؤال المعنى
أمام هذا الواقع، يقف الرياضي أمام سؤال صعب: هل يبقى أم يرحل؟ هل ينتظر أم يبدأ من جديد في مكان آخر؟
هذا القرار لا يرتبط فقط بالفرص، بل بالمعنى. وهنا يمكن استحضار Viktor Frankl ، الذي رأى أن الإنسان يستطيع تحمّل أقسى الظروف إذا وجد معنى لمعاناته.
بالنسبة لبعض الرياضيين، يصبح الاستمرار في لبنان خيارًا يتجاوز المنطق، ليصل إلى مستوى الانتماء. هو نوع من المقاومة الصامتة، من التمسّك بجزء من الذات في وجه الانهيار.
الرياضة كفعل مقاومة
في النهاية، لا يمكن اختزال الرياضة في نتائج أو بطولات أو منصّات تتويج. في لبنان اليوم، أصبحت الرياضة مرآة لواقع الإنسان، بكل هشاشته وقوّته في آنٍ واحد. لم تعد المسألة تتعلّق بالفوز أو الخسارة، بل بالقدرة على الاستمرار في زمن يتآكل فيه كل شيء.
أن تستيقظ لتتمرّن في يومٍ لا يحمل أي وعد، أن تحافظ على انضباطك في غياب أي أفق واضح، أن تتمسّك بهويتك الرياضية رغم كل ما يدفعك للتخلّي عنها… هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي أفعال مقاومة حقيقية، صامتة، لا تُصفّق لها الجماهير، لكنها تعكس جوهر الإرادة الإنسانية.
الرياضي اللبناني اليوم لا يواجه خصمًا في ملعب، بل يواجه القلق، والانتظار، والخسارة، والغموض. ومع ذلك، يختار كثيرون أن يستمرّوا. يركضون، يتدرّبون، يخطّطون، يحلمون… ليس لأن الطريق واضح، بل لأن التوقّف يعني فقدان جزء من الذات.
في هذا المعنى، تتحوّل الرياضة إلى أكثر من نشاط: تصبح لغة للبقاء، ومساحة للتماسك، ووسيلة لحماية ما تبقّى من التوازن الداخلي. كل تمرين يُنجز، كل عرق يُبذل، كل لحظة تركيز، هي محاولة لإعادة ترتيب عالم داخلي مضطرب.
وربما، في أعمق مستوياتها، تذكّرنا هذه المرحلة بأن قيمة الرياضة لا تكمن فقط في منصّة التتويج، بل في الطريق إليها… في القدرة على النهوض بعد كل توقّف، وفي الإيمان بأن الجسد الذي يتدرّب، والنفس التي تقاوم، ما زالا قادرين على الحياة.
في زمنٍ تتوقّف فيه المباريات، يصبح الصمود هو البطولة الحقيقية… وربما الأهم.
د. طارق عساف
الجامعة اللبنانية



