الذكرى ٤٤ لغيابه: بشير والأحلام الممنوعة جوزف القصيفي في الذكرى الرابعة والاربعين لاستشهاد الرئيس بشير الجميل ورفاقه، قبل تسعة أيام من تسلمه صلاحياته كرئيس للجمهورية خلفا للرئيس الياس سركيس، لا بد من استخلاص عبرة اساسية وهي ان الاحلام الكبيرة ممنوعة في بلد كلبنان ذي الطبيعة السياسية والطوائفية المركبة والمعقدة في آن، والتي تحمل رواسب وموروثات تاريخية يصعب محوها من الذاكرة الجماعية للبنانيين.وبشير الجميل ظاهرة نبتت من رحم الواقع السياسي، وشقت طريقها بقوة وسط العوسج والاعشاب السامة فانصهرت في كور التجربة وتفولذت، فكانت في مواجهات مستمرة لم يغب عن بعضها لون الدم، ولم تتوار صورة الفواجع، وذلك بعدما وجدت نفسها امام طريق مسدود مع العقلية التي سادت الحياة السياسية اللبنانية منذ العام ١٩٢٠، تاريخ تأسيس الدولة وتثبيت الكيان الوطني.وكان بشير يرى ان لا سبيل لقيامة لبنان القوي الا بحكم قوي واضح، يعرف ماذا يريد، لذلك لم يرتض أن يكون – كما كان والده من قبل – احد ركائز الشرعية اللبنانية- بل أن يصبح هو الشرعية التي تخطط لهذا اللبنان وتعمل على تنفيذ ما تتعهد به. وقد تمكن من الافادة من الظروف والتحولات في منطقة الشرق الأوسط، واباح لنفسه نسج التحالفات الاقليمية في وقت كان حصار السلبيات الفلسطينية والعربية يشد الخناق على الدولة ويمنعها من النهوض، وكانت لعبة خطيرة يضطلع بها، وهو يعرف أنه كان يمشي على حد السيف، وان اي خلل أو انتكاسة تودي به وتقضي على احلامه واحلام المراهنين عليه. لكنه استطاع أن يحقق مجموعة شروط كانت ستشكل اساسا لنجاحه في عملية الاستقطاب الوطني، لو لم يعاجله الاغتيال ويقلب الطاولة على الجميع من هذه الشروط أنهتمكن أن يزاوج بين التقليديين و “المقاومين». وان يفيد من خبرات الأولين وتجربتهم المخضرمة، ومن زخم الاخيرين والقوة الدافعة التي يشكلونها لمشروعه السياسي. ولا حاجة لتعداد السياسيين التقليديين الذين احاطوه احاطة السوار بالمعصم، واسدوا اليه ما اسدوا من نصح ووفروا له ما يفترض توفيره من معلومات، وخبرات.وهو إلى تلك الميزة تمتع بال:1- الطاقة الكاريزمية التي ساعدته على استقطاب الرأي العام اللبناني في أي موقع سياسي او طائفي كان، فهو نقر على الوتر الحساس الذي يرتاح اليه الناس عندما تعهد بضرب الفساد الاداري، وبأن يجعل الدولة فعلا لا قولا في خدمة المواطن. وكانت خطبته ما قبل الاخيرة في مبنى تلفزيون لبنان في الحازمية هي المعبر الى قلوب اللبنانيين، الاخصام منهم قبل الانصار والمؤيدين.2- قدرة على انتاج لبنان الجديد المرتجى، القوي بذاته الذي يستطيع التحرر من الوصايات الخارجية وعقد التحالفات والاتفاقات المتكافئة .وقد ازعجت دعوته لهذا ” اللبنان” الكثيرين الذين لم يرتاحوا الى جنوحه نحو الاستقلالية وحرية القرار . وهذا ما أوقد في نفوس الناشئة حس الالتزام، والرغبة في الانخراط بمشروع الدولة. 3-الفاعلية والمرونة معا، ما مكنه – وبطريقة مدهشة ‘ان يغزو اهتمامات لبنان المنتشر، وأن يوقظ في المغتربين ملكة الانتماء الى وطنهم الأم. ومن راقب تموجات سطوع نجم الرئيس الشهيد في دنيا الانتشار، وردود الفعل الايجابية على ذلك يتبين له انه أجاد تحفيز الاغتراب واخراجه من حال الركود ، أو على ألاقل من حال الاستنهاض الموسمي ، والمناسباتي وتحويله إلى طاقة إستراتيجية دائمة توظف باستمرار في خدمة قضايا الوطن ألام. وهذا ما يمكن إستقراؤه من التفاعل الايجابي الواسع الذي سبق انتخابه رئيسا وواكبه وتلاه، ورد الفعل المؤثر على غيابه الذي عم مجتمعات الانتشار . ومن حسن حظ بشير وسؤ طالعه في آن، أنه وصل إلى الرئاسة الأولى في اجواء«انقلابية شعبية” تواكبها هستيريا جماعية توسمت فيه الخلاص وانتخب وفق الاصول الدستورية التي تتبع عادة في مثل هذه الحالات. ولكن هذا النجاح تم في أجواء انقسام عالمي، وذروة الصراع بين المعسكرين، لذلك ارتدى ارتقاؤه إلى رئاسة الجمهورية اللبنانية طابع “التحدي الاستراتيجي” للمعسكر السوفياتي وحلفائه على الساحتين الداخلية والاقليمية، ما ابقاه في دائرة الخطر. وكان اغتياله أكبر من عملية انتقام محدودة في الزمان والمكان والاسباب، بل ان غيابه عن مسرح السياسة في لبنان تجاوز من حيث تأثيره ،حدود وطنه الصغير الذي كان يريده موحدا، الى حد انه اعتبر لدى فئات واسعة من اللبنانيين شهيد الـ ١٠٤٥٢ كلم٢. وهنا لا بد من الإشارة إلى النجاح الكبير الذي حققه الرئيس المنتخب بحمل اللبنانيين على التمسك بوحدة لبنان أرضا وشعبا في وقت كان الجدل قائما حول جدوى هذه الوحدة ، والتداول في صيغ بديلة يغزو الصالونات السياسية. . وبرحيل بشير الرئيس- القائد، والقائد- الرئيس «تبعثر» الغرب و” تعثر ” بخططه، وواكب ذلك بروز قوى ثورية أصولية وصفها البعض بـ «القنبلة النووية” العقائدية التي أجفل اجتياحها المعسكرين الدوليين معا، وكان لبنان بالطبع مسرحا لها ومنطلقا تحت عنوان تحريره من الاحتلال الاسرائيلي، بالتزامن مع افول النفوذ الفلسطيني. كما تأخرت مساعي التسوية الشرق أوسطية الموعودة ، وكذلك تأخر انهيار منظومة الدول الشرقية المنضوية في حلف ” وارسو” بقيادة موسكو ، بخلاف توقعات مراكز الأبحاث الاميركية . والاهم من ذلك غابت الطاقة «السحرية» التي استطاعت ان تكوكب اللبنانيين من حولها سحابة واحد وعشرين يوما.وكانت الصدمة بغياب بشير الجميل اعمق واشمل من الفرحة بوصوله الى الرئاسة الأولى. فيوم انتخب هلل قسم من اللبنانيين، وانتحب قسم آخر . لكن سرعان ما إنقلب الانقسام الذي واكب فوزه بالرئاسة الى وحدة جامعة ذرفت الكثير من الدمع واطلقت التأوهات يوم وداعه. إن استشهاد بشير ورفاقه على النحو المفجع الذي وقع في عيد ارتفاع الصليب يحمل غير معنى ومغزى، فهل كان عليه ان يخوض هذه المغامرة؟ وهل ان وجوده في موقع الرئاسة الأولى، أمر لا بد منه لصون القضية والحفاظ على استمراريتها؟ ألم يكن أجدى وأفضل للمسيحيين في لبنان وديار الانتشار ان يقود بشير مقاومته من أجل التحرير والسيادة من خارج مواقع السلطة والمسؤولية؟ وهل كانت الظروف تسمح بان يشق طريقه وسط تصارع الاستراتيجيات وتجاذبها في تلك المرحلة الحافلة بالتطورات الساخنة؟ هل سقط بشير ضحية احلامه؟ ام انه دفع دفعا الى الموقع الذي بلغه ليسهل اسقاطه؟على أن المفجع أن بشيرا خلف أحلاما كبيرة لم يتمكن خلفه من الاضطلاع بها في أي مجال، فاتسعت رقعة الخيبة، وبدأت التشققات تضرب أرض الواقع المسيحي.وفي أي حال يبقى أمر الاجابة عن الاسئلة التي رافقت صعوده وغيابه للتاريخ.ثمة أمر واحد يمكن استخلاصه من هذه الذكرى، هو ان الاحلام الكبيرة ممنوعة في لبنان.