لا أحد يردع إسرائيل، ويكبح جموح بنيامين نتنياهو وجنونه في جنوب لبنان، غير عابيء بصيغة الاطار ، ولا بالالتزام الذي قطعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس جوزف عون أثناء زيارة الاخير الى واشنطن بحمل تل أبيب على وقف عملياتها في المناطق التي يحتلها جيشها، لأن جرف المنازل وتسويتها بالأرض في غير مدينة وبلدة وقرية يعتبر عملا عسكريا محظرا بالقانون الدولي ،خصوصا إذا كانت الابنية المنسوفة وحدات سكنية ومؤسسات تربوية، ومستشفيات، ومستوصفات، ومصانع ومحال تجارية. إنها سياسة ألارض المحروقة، ” المحلوقة” التي يريدها الكيان العبري صحراء قاحلة، لا أثر للحياة فيها، من أجل ضمان أمن مستعمراته الشمالية. لقد بات واضحا بما لا يحمل النقض، والالتباس أن نتنياهو وافق على صيغة المناطق التجريبية، وقبل بدخول الجيش اللبناني إليها للتعمية وايهام الرأي العام الدولي أنه جاد في تجاوبه مع الساعين لوقف الحرب، ورغبته في سلام مع لبنان، لكن المنطقة التجريبية التي إنتشر فيها الجيش لم تكن محتلة. وهو لا يعطي قولا قاطعا في انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية، بل يتحدث عن إعادة انتشار وتموضع. وهذا يعني أن لا كلام فعليا ،ولا خطوات عملية حول الانسحاب قبل الانتخابات الإسرائيلية التي يسعى لحصد النسبة الاعلى من نتائجها وضمان عودته إلى الحكم. والدليل على نزوع نتنياهو إلى معارضة اي مسعى، والالتفاف على اي ضغط، ورفض كل وساطته، هو إستمراره في دفع الجيش الإسرائيلي إلى مواصلة إعتداءاته في مناطق واسعة من الجنوب، مضيفا إليها مواقع للجيش اللبناني . فالمراهنة على واشنطن وتحديدا الرئيس ترامب لكي يلزم إسرائيل على الانسحاب لا تستقيم، لأن ” أجندة” نتنياهو مختلفة تمام الاختلاف وتعاكس تطلعات لبنان، وحتى الإدارة الاميركية التي لا يزال للوبي الصهيوني فيها ألف يد ويد قادرة على العبث و” الخربطة”. ويقول دبلوماسي أميركي سابق شغل مناصب مختلفة في عدد من سفارات بلاده في الشرق الأوسط أن إسرائيل غزت لبنان لكي لا تخرج منه، وإن خرجت فبثمن باهظ أو بالحري ” جزية” تؤدى لها، وأن من يظن أن واشنطن قادرة على إخراجها لا يدري شيئا عن مدى تأثير تل أبيب على دوائر القرار في هذه الدولة العظمى. ويرى الدبلوماسي عينه أن تصلب نتنياهو ورفضه اي تسوية عادلة تقوم على الانسحاب كمقدمة لمفاوضات تفضي إتفاق سلام ، هو أمر واقع ولا يحتاج إلى كثير من الادلة. لكن ذلك يعزز موقع من يدعو إلى تصعيد المقاومة ضد وحدات الجيش الاسرائيلي، والدعوة إلى مواجهتها بكل الوسائل، وينتج توترا مع الدولة. فالانسحاب شيء، وإعادة الانتشار شيء آخر، والمناطق التجريبية غير المحتلة ليست انجازا كبيرا يوازي جلاء القوات الاسرائيلية، ولو انه خطوة جيدة على طريق إعادة بسط سلطة الدولة بواسطة الجيش اللبناني الذي لا يتعايش مع الاحتلال ولا يمكن أن يكون متراسا له . على أن ما يخطط له في بعض الدوائر الاميركية المتعاطفة مع تل ابيب ، هو الدفع في إتجاه صدام بين الجيش و” حزب الله” وبيئته التي تتملكها الهواجس، وتستبد بها المخاوف نتيجة شعورها بالاستهداف، وعدم حصولها على ضمانات مطمئنة. إن التصرفات الإسرائيلية العدائية لم تتوقف حتى الساعة، وليس هناك ما يؤكد أنها ستتوقف، ولو قدم لبنان بعض التنازلات، أو عقد تفاهمات ما كانت لتحصل قبل ” حرب الاسناد” . هذه هي الصورة الواقعية للمشهد السياسي والميداني قبل إجتماع روما بعد أيام. والحقيقة أن إسرائيل ستكثف عملياتها في الجنوب وتمعن قتلا ودمارا بغرض إحداث وقائع جديدة على الارض وافراز معادلة تكون الكفة الراجحة فيها لها. والخوف أن يكون الجيش اللبناني مرة أخرى في مهداف الدولة العبرية لالزامه بسلوك يتنافى مع دوره الوطني، وتواصله الايجابي مع أبناء شعبه. من هنا يمكن القول أن هذه المرحلة ستكون محفوفة بالحذر والخطر، وأن المطلوب تعميق التواصل بين المسؤولين في لبنان لتقديم مقاربة متقاربة ،ولو في حدودها الدنيا، لعبور الموجة العاتية التي تضرب البلاد. وفي هذا الاطار يجب ترقب لقاء رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بعد طول قطيعة ، وما سيسفر عنه، والى اي مدى يمكن أن يزيل من ألغام من طريق العلاقة المقطوعة تماما مع الرئيس عون وحزب الله. لأن اي إتفاق مع الخارج – اي خارج- لا يستطيع أن يحل مكان التفاهم الوطني، أو النسبة الاعلى من هذا التفاهم إذا لم يكن مركوزا في وفاق وطني لا مفر منه.



