أصدر المونسنيور كميل مبارك “إسمَع يا بُنَيَّ” بجزئه الثاني، وهو مستوحى من تجارب الحياة التي لاحظها وتعلّم منها.
وللمونسنيور مبارك العديد من المؤلفات الفكرية والأدبية والثقافية، نشرها زمن رئاسته لمدرسة الحكمة الأم في بيروت ولمدرسة الحكمة في جديدة المتن ولجامعة الحكمة وفي زمن رئاسته تحرير مجلة الرعية التي كانت تصدر عن أبرشية بيروت المارونية.
وقدّم للكتاب المحامي جورج ميشال أبو خليل فكتب:
هو فصلٌ ثانٍ بعدَ أوّل، ولا أقولُ جزءًا، لأنّ الكلَّ لا يتجزَّأ. فالتجاربُ خبزٌ يومي، والحياةُ تتجدَّد، فلا تعودُ المياهُ نفسُها إلى النّهرِ ثانيةً، ولا تُعطي الشجرةُ الثمارَ ذاتَها، فلكلِّ موسمٍ ما قُسِمَ له؛ وفي كلِّ يومٍ، جديدٌ يأكلُ من صحنِ الوجع، والآخُ لا ترحم؛ ولئِن بقيَ لهيبُها في دائرةِ مكانِها، إلاّ أنّ من شأنِ المجاهرةِ بها أن تحملَ ولو قلّةً على الإتّعاظ، فالعجنةُ الكبيرةُ مدينةٌ لخميرةٍ قليلة، والوجعُ هذا هو وجعُ صاحبِ الضّميرِ الحيّ الّذي يرى الخطأ، فيسعى إلى الإصلاح، ويرى الغفلة فيسعى إلى الإيقاظ، وطوبى لمن له أذنان تسمعان، وعينان تُبصران.
واللاّفتُ في الأب كميل مبارك أنّه لا يملّ، وقد أغلقَ أذنيه عن عبارة: على مَن تقرأ مزاميرَك… إيمانًا منه بأنّ قطرة الماء المتساقطة بتواتُرٍ على الحجر، ينتهي بها الأمرُ إلى إحداث أثرٍ فيه؛ فلا بدَّ إذًا من الاستمرار في المحاولة. وهو يدركُ بنظرتِهِ الثّاقبة أنّ التّغيير لا يأتي من عدم، ولا يحصلُ بين ليلةٍ وضُحاها، ويكفي أن تبقى في ذهنِ القارىء نسبةٌ ولو ضئيلة ممَّا يقرأ، كي يحصلَ التغيير المنشود، وكي يتعلّمَ، حقيقةً، “من جنى التّجارب”، فبدلَ أن يكونَ فراشةً جاهلةً تموتُ باحتراق جناحَيها على غرارِ مَن سبقَها، أليسَ من باب المنطقِ والفكرِ أن يتعلَّمَ مجّانًا؟
فكم مرّةٍ تجاوزَ المرءُ معارجَ الحياة دون أن يتوقَّفَ عند العديدِ من محطّاتِها! ربَّما عن عدم اكتراث، أو عن جهل، أو عن سوءِ تقديرٍ لأهمّيّة ما يمرّ به؛ لكنّه مع تجارب الأب مبارك ووصاياه يعود للحظةٍ إلى الوراء، ويتساءل، لمَ لم تستوقفْني هذه أو تلك من المواقف؟ ببساطة، هنا يكمن الفرق بين أن تلاحظَ وتتعلَّم، وبين أن تقعَ أكثرَ من مرّة ولا تبالي، فالتجربةُ هي طريقُكَ إلى الكمال، ولو لن تبلغَه في المطلق. والمؤلّفُ بأسلوبِهِ البسيط العميق، يحملُكَ على أن تنظرَ إلى الواقعِ بعين المتبصِّر، وبذلك سترى الحكمة المتجلّية في أقوالٍ صقلتْها الأيّام وتعهَّدتْها. فهو يدعوكَ إلى الصّفحِ والمسامحة بصورةٍ بلاغيّةٍ غنيّةٍ بمضمونِها، رقيقةٍ في تعبيرِها:” إرمِ الإساءةَ على رملِ البحر”، وغايتُه من ذلكَ أن تندثرَ، حتّى ذكراها، بين مدٍّ وجزرٍ لبحرٍ لا تُسبَرُ أغوارُهُ وما فيهِ من أسرار. ثمَّ يدعوكَ في موضعٍ آخر إلى التنبُّهِ لمفاهيمَ اجتماعيةٍ تلوكُها الألسُن بحجّةِ الديمقراطيّة، فإذا بهِ يلفتُ، عن حقّ، إلى أنّ الرّأيَ العام الّذي تنادي به هذه الديمقراطيّة هو نفسُه الذي هتفَ بصلب المسيح، فليسَ بالضّرورةِ أن يعكسَ الرّأيُ العام الموقفَ الصحيح. وأمامَ ما يمارسُه الإنسان من نكران، نجدُ الدعوةَ إلى الإقرارِ بالذّنب وسيلةَ راحة، ” فمتى ثقُلَت عليكَ أخطاؤكَ أقِرَّ بذنبِكَ يهُنْ حملُكَ”؛ وما القولُ عن السلام؟! ” فإنْ لم تجدْ سلامَكَ في قلبِكَ فعبَثًا تبحثُ عنه في أيِّ مكان.”
ونتابعُ، في عيِّناتٍ من ألف، شكوى مريرة من الغدرِ والظّلم، حتّى لَيغدوَ المجتمعُ الحيوانيُّ أكثرَ رأفةً من البشريّ،” قد تكونُ غريزةُ الذّئابِ أرحمَ على الإنسانِ من بعضِ النّاسِ وظُلمِهِم”؛ أوليسَ في هذا قمَّةُ المرارةِ حيثُ الحيوانُ تقودُهُ الغريزةُ، فيما الإنسانُ يظلمُ عن وَعيٍ وإدراك؟! وشكوى من ضعفٍ لا يعرفُ شفاءً ممَّن ” يُغرِقُ نفسَهُ في صغارِ الأمور، فيقفُ عاجزًا أمامَ كبارِها.” وبصورةٍ فكاهيّةٍ، إلى حدّ، يلفتُنا إلى حسنِ اختيارِ المكانِ لاتّخاذ القرار، ذلكّ أنّ : “الكثير من القرارات الّتي تؤخَذُ على المائدةِ تبطلُ مفاعيلُها مع جليِ الصّحون”، وتذكِّرُنا هذه الصّورةُ بوعودِ بعضٍ من زعماءِ الزّمنِ الجميل، حيثُ كانوا يكتبون مطالبَ أنصارِهِم على “علبة الدُّخّان”، فتبطلُ مفاعيلُها مع آخر سيجارة حيثُ تُرمى “العلبة”. ونلمسُ مُنتهى الوفاءِ والإحسانِ في صورةٍ غايةٍ في التعبيرِ المُتقَن ” فإن فعَلْتَ خيرًا فلا تنظُرْ لِمَن، وإنْ نلتَ خيرًا فلا تنسَ ممَّن”، ويقابلُ هذه عتَبٌ على مَن يُنكرون الجميل، وقد حصَدوا من دونِ جهد.: “فحينَ تحصدُ بلا تعبٍ، تتوهَّمُ أنّكَ أنتَ الزّارعُ وتُنكرُ على الآخرينَ جهدَهم ومعاناتهم.” هي الدُّنيا.
أجَل!
فقد سبقَنا الكثيرون، وسيأتي الكثيرون، وسيبقى الإنسانُ هو الإنسان، وسيبقى عرضةً لتجاذُبِ الأهواءِ والأخطاء، وخيرُ ما يمكنُه القيام به أن يكونَ صادقًا مع ذاتِه، يُقرُّ حين يُخطىء، ويسعى إلى إصلاحِ ذاتِهِ ليَصلُحَ المجتمع، وله في ذلكَ دروسٌ وافرةٌ ممَّن سبقوه، فمشكلةُ السّوادِ الأعظم من حكّامِ العالم أنّهم لم يقرأوا تاريخَ مَن سبقوهم ليتّعظوا؛ فقلَّ الرِّجال. وأسوأُ ما في الإنسان ألاّ يتّعظَ من أخطائه، ومن أخطاءِ سواه.
سَلِمَتْ يداكَ واليراعُ، أبتِ الجليل، وقد شئتَ بوصاياكَ أن يبنيَ الإنسانُ على الصّخرةِ، لا على الرّمالِ، استجابةً لنداءِ مَن كرّسْتَ له العُمرَ والوزنات، فبيتُ مَن يتنكَّرُ للتّجارِب أوهى مِن بيوتِ العناكِب.



