بغياب نجوى إرسلان نطوي كتاب العمر على الصفحة الاشد إيلاما. لم اتخيل يوما أن صاحبة القلب الكبير تسقط في حلبة دنياها بضربة قاضية يسددها هذا القلب. هي أميرة على الهوية وفي سلوكها. واجهت أحزانها بالتفاؤل، ومسحت دمعتها بالبسمة، ونشرت الفرح رافضة أن تبوح بمكنونات صدرها الذي اتسع لكل انواع الخيبات. عرفتها في مطالع الثمانينيات والدنيا حرب. في عاليه حيث قصر المير مجيد على مرمى قذيفة من جبهات النار، وفي خلده مع نذر حرب الجبل المشؤومة. كنا نضحك، نتبادل النكات مع زينه وريما ونسيبات واصدقاء، ولكننا لم نستطع أن نواري خوفنا من آلاتي، وعلى جبل يميد باهله وينزلق إلى جحيم الفتنة. هي خريجة جامعة الكسليك التي نسجت فيها علاقات انسانية مادتها الصداقة والمودة وكانت صلاتها بآباء الجامعة واساتذتها مسبوكة بروح الانفتاح،والايمان بوحدة الوطن إنطلاقا من وحدة الجبل الذي رأت فيه الدعامة- الأساس لعمارة لبنان. لم يعرف الحقد إلى قلبها سبيلا، واتقنت ثقافة التواصل رغم سحب النار وكثافة الدخان القاتم الذي لف الوطن، وشلالات الدم المتدفقة التي خطت مأساة بلد لم يقدر له مبارحة فوالق الزلازل التي ما فتئت تضربه بقوة. لم نعد نلتقي إلا في المناسبات،وكانت على ندرتها وطابعها الحزين مساحة نستعيد فيها ذكرى ألايام التي غبرت وعبرت حاملة معها الأحلام الموءودة،أو التي تكسرت على صخرة واقع عصي على التغيير. ما كنت احسب أن تتوقف عقارب نبضها في توقيت لم تختره، وأن يخونها ذاك الخافق الذي كان يختزن حبا ينبجس بسخاء كالنبع المغزار الذي يوزع ماءه على العطاش. غادرت الأميرة، كما تغادر أميرات الحكايا، وفي يدها صولجان من دمع ،وعلى رأسها تاج من أسى، في وارتحلت إلى عالم أفضل حيث لا وجع ولاكآبة، مستبقية لنا عطر حضورها الذي لم ينكفيء يوما حتى في ذروة معاناتها. في غيابها، ماذا يمكن أن أقول للاميرة خوله ألام الحزينة الذي أدمى فؤادها هذا المصاب،والامير طلال ،وللاميرتين زينه وريما؟ تخونني الكلمات ،والحبر أمسى عبرات، وهو أعجز عن التعبير عن مشاعري في هذه اللحظات الرهيبة التي نشهد فيها ارتحال نجوى إلى البعيد البعيد ،من دون أن تكون لنا القدرة على دفع قضاء الله وقدره ورد مشيئته. وداعا يا أكرم الراحلات، وليهنأ لك الرقاد في ظلال رحمة ربك الذي ما خشيت إلاه، و وطالما ظللك فيء رعايته.
نقيب محرري الصحافة اللبنانية



