إلى الدكتور إيلي الزايك في 19 كانون الثاني– شهادة الدكتور فؤاد أبو ناضر:
إيلي… لن أنسى أبداً!
لن أنسى أبداً بداياتنا كمقاتلين ضمن فرقة “ب.ج” حيث كنا نحاول دفع معارفنا وقدراتنا إلى أقصى الحدود لنلحق بكبارنا. وكي نصل إلى تلك المرحلة المتقدِّمة، كان علينا أن نشارك في التدريبات الليلية في غوسطا، بالإضافة إلى نهايات الأسبوع، وخصوصاً مساعدة القدامى في تدريبات المنتسبين الجدد في المناطق المختلفة. لهذا، كنا مجبرين على التغيُّب ليلاً وأحياناً على التغيَّب عن المدرسة. وكم مرَّة، بغية تبرير هذا الغياب الدوري المتكرِّر، اضطررنا إلى القول لأهلنا إنك كنتَ قادماً للدرس في بيتي وإنني ذاهب للدرس في بيتك؛ لحسن الحظ، لم يفكِّروا قطّ في الاتصال ببعضهم هاتفياً وإلاَّ فكنا سنُعتَبَر من أكبر الكاذبين!
لن أنسى أبداً معمودية النار التي خضناها في الدكوانه سنة 1974 والليلة الشهيرة في شباط 1975 عندما حظينا بشرف التعرُّف إلى “ياسر عرفات” بعد أن تمَّ توقيفنا على يد رجال الميليشيا التابعين له في البربير؛ وأُجبرنا في ذلك المساء على مشاهدة تدمير سيارتك أمام عينينا. ومن ثمَّ تلت ذلك سنتا 1975-1976 المظلمتان اللتان شهدتا رحيل عدد كبير من رفاقنا. ولن أنسى بالتأكيد تلك الليلة الجليدية في كانون الثاني 1976 أثناء عودتنا من مهمَّة في أسواق بيروت القديمة، عندما أُصبتُ للمرَّة الأولى فيما كنتَ أنتَ على بعد بضعة أمتار مني. كنتَ أنتَ من وضع لي الضمادات لإيقاف النزيف وخاطرتَ لنقلي إلى المستشفى فيما كان العدو يحاول محاصرتنا. كانت تلك هي المرَّة الأولى التي أراك فيها تفقد برودة أعصابك وهدوءك اللذين أصبحا أسطورة بعد ذلك. كنتَ تخاف إلى درجة الوسواس ألاَّ أصل إلى المستشفى في الوقت المناسب.
لن أنسى أبداً تلك الليلة في الأوَّل من أيار 1976 عندما كان علينا القيام بهجوم مرتدّ بأيِّ ثمن في منطقة المرفأ، وذلك لإيقاف تقدُّم العدو. ناداك بشير، أنت، آخر “ب.ج” بقيَ واقفاً (حيث كان باقي الفرقة إما جريحاً أو قتيلاً)، وذلك لتقودَ ذلك الهجوم. كان بحاجة إلى قائد مؤثِّر ليرفع معنويات الفرقة التي كانت قد وصلت إلى الحضيض. فقد كان الجميع يحترمونك وكنتَ قادراً على جرِّ المقاتلين الجدد وراءك. هم كانوا يثقون بك. وفي ذلك المساء، نجحتَ أنت متخطياً أقصى آمالنا. فقد رَدَدْتَ الخَرق الذي أحدثه العدو وثبتَّ الجبهة بشكل حاسم ونهائي! ومرَّة أخرى، كان الثمن الذي دُفِعَ باهظاً ثقيلاً. فقد سقط عدد كبير من رفاقنا من أمثال ميشال يارد، وأما أنت فأُصبتَ بجرح في ساقك. ولكنك رفضتَ أن يتمَّ إجلاؤك فوراً قبل أن تطمئنَّ إلى وصول من يستلم موقعك للمحافظة على المكتسبات على الأرض ولتفادي أي ذعر قد ينتشر في صفوف الشبان. وجاء دوري أنا في ذلك الصباح كي أقودك إلى المستشفى، وكي أقوم بالمهمة الصعبة والكريهة، وهي الذهاب لإعلام “نينا” بإصابتك وبإحضارها لرؤيتك. نسيتُ أن أقول لك إنه في فجر ذلك الصباح، كانت نينا منتظرة على النافذة طوال الليل، كانت تنتظر الذي سينقل إليها الخبر السيِّئ المتعلِّق بك؛ كانت قد استيقظت من سباتها بفعل حسّ مُنذر بالشؤم تتمتَّع به “الأمهات”، وقد تحقَّق مع الأسف هذا الإحساس لاحقاً. فقد شاء القدر أن أكون أنا من ينقل إليها هذا الخبر السيِّئ ويتحمَّل اسئلة “نينا” الصعبة! ولكنك كنتَ حياً، وبالنسبة إلينا، كان هذا هو المهم!
لن أنسى أبداً يوم 6 أيلول 1983، خلال معركة الجبل، عندما علمتَ أنني أُصبتُ في الجبهة، فقرَّرتَ الخروج من المستشفى حيث كنتَ تقضي فترة نقاهة بعد خضوعك للعملية الجراحية الثانية في ساقك. كنتَ قد فهمتَ كلَّ شيء بمفردك: يجب ألاَّ تتزعزع معنويات الجنود، كما يجب المحافظة، بأيِّ ثمن، على زخم المعركة لإنشاء الرابط الجغرافي سريعاً مع فرقتنا التي كانت تقاتل في منطقة بحمدون. لقد تمَّ إنجاز هذه الوصلة بفضلك أنت وبفضل حضورك الشخصي على الأرض. لم ننفكّ نروي كيف كنتَ تتنقَّل على الجبهة مع “حمَّالَيك” اللذين كانا ينقلانك على كرسي لأنك لم تكن قادراً على السير الذي لم يكن مسموحاً لك أصلاً! وعلى الرغم من آلامك الجسدية، عرفتَ كيف تحافظ على حسّ الدعابة لديك حتى في أكثر اللحظات دقَّةً وصعوبة. كانت هذه القوَّة الهادئة المنبعثة منك التى كانت تمنح الشبان السكون والصفاء والشجاعة والقدرة على تجاوز المِحَن.
لن أنسى أبداً حسّ الواجب لديك، وتفانيك، ووفاءك لرفاقك، واستقامتك، وفروسيتك، وطريقتك في العطاء بلا حساب، طريقتك في قبول الأدوار الأكثر جحوداً بابتسامة، وتواضع، وشجاعة، وخصوصاً بإيمانك بقضيتنا الذي لا يتزعزع. لا أنفكُّ أكرِّر الكلمات التي كتبها لك بشير في رسالته إليك في زحله خلال معركة 1981 الشهيرة.
ولكن ما لن أنساه أبداً، عزيزي إيلي، هو يوم رحيلك! كيف لي أن أتصوَّر قط أنك ستسقط في “الأشرفيه”، بفعل اغتيال جبان! كيف كنتُ سأشرح لـ”نينا” و”مايا” و”ميراي” و”جورج” و”جوزف” ولأصدقائك، سبب موتك الرخيص والظالم. في بلدنا، يغتالون الأبطال بدلاً من تمجيدهم، ويتلقّى القتلة المكافأة!
بعد اغتيالك الجبان، مازلتَ حاضراً بيننا.
لن أنسى أبداً!
فؤاد أبو ناضر



