هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟ (أنطوان الحاج)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.
تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991 وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك Arctic، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) تعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.
أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطّ تنافس ومطامع. وساهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه القطب، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيو – اقتصادية. (عسكرة القطب الشمالي… صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد» – «الشرق الأوسط» – 19 مايو/أيار 2021).
أدى الاحترار المناخي، ولا يزال، إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيّة على السفن، وهذا ما يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في العام 2019 إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي…

*غرينلاند والقطب
تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.
كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي لتسويغ هذا الانتهاك لسيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».
فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي…

  • التوسّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء
    ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد، بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:
  • في العام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.
  • في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.
  • في 1845 ضمّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقًا إلى الحرب الأميركية المكسيكية.
  • في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.
  • في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 ملايين دولار، بهدف تحقيق توسّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في العام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في العام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.
  • ضمّت أميركا هاواي في العام 1898بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.
  • شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في العام 1946.
  • اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في العام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهبًا. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية، إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي، خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.
  • في العام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهبًا لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، لكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.
    *ثروات غرينلاند
    تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، حوالى 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة تووك (نحو 20 ألف نسمة).
    بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا خكم ذاتي.
    تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، لكن جزءًا كبيرًا من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.
    وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.
    إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية، خصوصًا في المناطق الغربية والشرقية، لكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب المخاوف البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك، أي بنية تحتية للطرق تقريبًا في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.
    *أخطار ورهانات
    أورد موقع المعهد البحري الأميركي، وهو منظمة مستقلة مكرّسة لدرس الشؤون البحرية والملاحية، أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي، حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».
    ويضيف الموقع: «يبدو أن المزيد من الانفتاح في الطرق البحرية الشمالية، بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي، مرشّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى نسبة معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كمبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».
    يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».
    لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند، التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.
    ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب الشمالي، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين فقال في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025 خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية-السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء تزايد وتيرة على جعل دول الناتو أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».
    وسط «المعمعة» الأميركية – الصينية – الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع، أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه على تملّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في الناتو ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.
    لعلّ ما يجسّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد، التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند… وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة…
    إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد…
    على أمل التعقّل.