“سمير جعجع البُعد الآخر”… (جورج حايك)

حفل توقيع كتاب “سمير جعجع البُعد الآخر” لم يكن مجرّد احتفال بكتاب، بل كان لقاءً مع الإنسان الذي يسكن خلف القائد، ومع الروح التي صقلتها الآلام، والإرادة التي لم تكسرها المحن. كان الحفل يشبه “الحكيم” بروحانيته وتواضعه وصلابته وسلامه الداخلي… يشبه رجلًا عبر العواصف ولم يفقد هدوءه، وحمل صليبه ولم يتخلَّ عن إيمانه!
هكذا أردته، مساحةً للوجدان قبل الكلام، وللتأمّل قبل التصفيق، وللغوص في أعماق رجل لم تكن حياته مجرّد محطات سياسية وعسكرية، بل رحلة إنسانية وروحية وفكرية استثنائية. وهذا ما حاولت التعبير عنه في كلمتي، وما تجلّى أيضًا في كلمتَي رفيقَيّ النائب بيار بو عاصي والأب مارون عودة.
مسرح بلدية الجديدة لبس ثياب “القوات” وألوانها، وامتلأ بوجوه تحمل في عيونها ذاكرة نضال، وفي قلوبها حكايات وفاء. كيف لا، والكلام عن رئيس “القوات” ورمزها في الثلاثين عامًا الفائتة؟ عن رجل لم يكن عابرًا في تاريخها، بل صار جزءًا من وجدانها وذاكرتها وهويتها!
قال بو عاصي: “إننا لا نؤلّه سمير جعجع”، وأنا أوافقه الرأي تمامًا. فليس الهدف صناعة أسطورة، بل الاقتراب من حقيقة إنسان، ومحاولة إضاءة التحوّلات الفكرية والفلسفية والروحية التي عرفها “الحكيم” عبر مسيرته، وخصوصًا خلال مرحلتين حفرتا عميقًا في وجدانه: مرحلة المواجهة العسكرية، ومرحلة الاعتقال، حيث يتحوّل الصمت إلى معلّم، والعزلة إلى مدرسة، والألم إلى معرفة، والمعاناة إلى حكمة.
لم نملّ من الكلام عن رجل المواجهة، مواجهة الظلم والاحتلال، ومواجهة الخوف والانكسار واليأس. لكننا أردنا هذه المرّة أن نذهب أبعد من صورة المقاتل والقائد، لنكتشف الإنسان الذي انتصر على قسوة التجربة من دون أن يفقد رقّة الروح، والذي خرج من العتمة حاملًا نورًا داخليًا لا تطفئه السجون.
نعم، نُجمع على أن هذا الرجل استثنائي. حاولتُ أن أُنصفه بالكلمة، وأن أقترب من أعماقه بصدق ومحبة وموضوعية، لكنني أدرك أن صفحات كتاب، مهما اتّسعت، تبقى أضيق من أن تختصر تجربة بهذا العمق. ولعلّ التاريخ، حين تهدأ العواصف وتسقط الأحكام العابرة، سينصفه أكثر ممّا استطعتُ أنا أن أفعل.
من شاركني حفل التوقيع أدرك أن الكلمات لم تكن مجرّد خطابات، بل شهادات خرجت من القلب، وعادت لتستقرّ في القلوب. ولعلّ أجمل ما اختصر تلك الأمسية عبارة لـ”الحكيم” تختزن فلسفة وجوده: “لا معنى لحياة من دون معنى!”.
وما أجمل أن يكتشف الإنسان أن قيمة العمر ليست في عدد سنواته، بل في المعنى الذي يمنحه لتلك السنوات، وفي الأثر الذي يتركه في نفوس الآخرين!
أحبّاء “الحكيم” أبدوا إعجابهم بالكتاب، وأرجو أن يجدوا بين صفحاته ما وجدته أنا خلال رحلة الكتابة: سمير جعجع الآخر، الذي لا تحيط به السياسة وحدها، ولا تختصره المعارك والمواقف، بل تكشفه الروحانية والتأمّل والفكر، وتضيء إنسانيته تلك المسافة العميقة بين الألم والرجاء.
ونبقى… لأن القضية أكبر من العمر، والوفاء أقوى من الغياب، ولأن الذين يمنحون حياتهم معنى يتركون في التاريخ ما لا يمحوه الزمن!