افتتاحية “الدستور”

الأرض انتماء… والتزام

وطني المصلوب…”قلَّت حيلتي
كلما داويتُ جرحا سال جرح…”

كأنما كُتب للجراح ان تلازم وطن الارز، على امتداد تاريخه وجغرافيته، وأن تكون “صحته هي العجبُ”، فيتماهى والاسقام والسهام، وتتكسّر على جسده “النصال على النصال”، ويظل مصلوباً على خشبتين، واحدة للموت، وأخرى للقيامة.

هذا الواقع الموجِع نلمسه اليوم في ما تتعرّض له ارضنا من مخطّط يهدّد معنى لبنان، ويكاد ان يُلغي هويته، ويُعطّل رسالته، ويُرديه فارساً مضرّجًا في ميدان صراع الحضارات.

واذا كان للعدو المُعلَن مصلحة مرَضيّة في احتلال ارضنا، والعبث بممتلكاتنا، وفي اذلال شعبنا وتشريده، فمن هو ذلك العدو الآخر الذي يستكمل، بخبث محكَم، ما يعجز عنه الاول؟ وايّة نوايا مضمرة يحملها الينا، فيُهدّد مجتمعًا اردناه متماسكًا، وينال من ارضٍ حملت تاريخًا من النضال والتضحيات؟ انها الأرض التي شهدت تجذّر مواطنيها، وأعطت لانتمائهم قيَمه الروحية والوطنية، وثماره الثقافية والاجتماعية الغنيّة.

في هذه الاسطر، وفي صفحات من هذا العدد، قلق تثيره أرقام ومعطيات حول موجة شراء الاراضي بأثمان مرتفعة، ولكن بأساليب متدنيًة، تعبث بالخصوصية الوطنية، و بالتوازن الديموغرافي، لأهداف مشبوهة، بل سافرة وشديدة الخطورة .

هذا الواقع الخبيث، المتسلّل خلف ستار الحرية التعاقدية، يتطلب مواجهة حادّة للحدً منه، بوعي مخاطره اولًا ، و بإعلان إيماننا بارضنا تاليًا، وبالدعوة الى مبادرات ترمي الى مكافحة هذا الوباء الذي يصيب الاخلاق الوطنية، لدى الطرفيَن المعنيَين، ويمعن في تفتيت صورة الوطن، وتقويض سلمه الأهلي وتماسك مجتمعه.

قد تكون الهجمات العقارية القائمة في عدد من مناطق الجبل اللبناني اشد خطورة، من حيث تداعياتها على التوازن الوطني، من تلك الجارية على ارض الجنوب، لأنها تتم بين ابناء الوطن الواحد، بسلاح مستتر المصادر، ظاهراً، ولكنه معلوم الاهداف، ولأن تحقيقها يُخرج لبنان من حقيقته، ويُغرق تاريخه في اضطراب جغرافيته، ويحرمه من وعود مستقبلاته.

إن ما ينقله المتابعون عن استغلال نفوذ مالي آتٍ من الخارج، وربما من تقاطع مصالح مريبة لمتخاصمين اقليميين، بغية تنفيذ خطط إسكانية خارج الجنوب لمن خسروا هناك البيوت والارزاق، يستدعي، اذا صح، مقاومة معلَنة، حازمة وحاسمة، من أهل المقاومة بالذات، اي من الجنوبيين ، كما من مختلف مكوِّنات المجتمع اللبناني، و إعلان حالة طوارئ تشريعية واجرائية، يقودها اصحاب القرار، للحد من الوباء الذي يهدّد الجسد المرهَق ، ويرهن رسالته وفرادته على خارطة الأمم.

صحيح انه في زمن العولمة وانهيار الحدود، قد تبدو الاستماتة في سبيل ارض او تحديد تخوم شأنًا تخطاه الزمن، سيما وأن المسيحية دعت اتباعها الى التطلع الى” الارض الجديدة” التي تنتظرهم خارج هذه الحياة، غير ان الصحيح ايضًا ان المسيح حلّ في الزمن، حيث تجسّد وعاش على هذا التراب، وبكى على “اورشليمه”، وأن اتباعه في هذا المشرق مؤتمنون على قدسية هذه الأرض، وقد اقيموا عليها حرّاسًا يسهرون على سلامتها، ويصمدون فيها، مع شركائهم، ما اراده لهم الرب، شهوداً لمحبته، ورسلًا لسلامه.

رئيس التحرير
د. انطوان سعد