الجامعة الأنطونية تستأنف ” إسم علم “..الأب السّغبيني: توقّف “إسم علم” لم يكن انكفاءً عن الرسالة، بل فترة صمتٍ اضطراريّ

احتفلت الجامعة الأنطونية بتكريم المؤرخ فواز طرابلسي وباستئناف سلسلة “إسم علم” بكتاب “فواز طرابلسي” : كتابة الشغف والشغب، الذي يشكّل المجلّد الخامس عشر من السلسلة.
حضر الاحتفال الذي أقيم في حرم الجامعة في بعبدا- الحدت راعي الجامعة، رئيس الرهبانية الأنطونية قدس الأباتي جوزيف بو رعد، رئيس الجامعة الأب ميشال السّغبيني ونواب الرئيس، الآباء المدبّرون، مؤسّسة سلسلة “إسم علم” الدكتورة باسكال لحّود، الى جانب حشد من المفكرين والإعلاميين والاساتذة وعائلة المكرّم.

الأب السّغبيني
وبعد افتتاح الاحتفال بعرض استعادي للإصدارات السابقة، كانت كلمة للأب السّغبيني قال فيها “لقد فرضت السنوات الماضية على وطننا ومؤسّساتنا ظروفًا قاهرة متلاحقة، وكان من الطبيعيّ أن تطال انعكاساتها الحياة الثقافيّة والمؤسّسات الجامعيّة. لكنّ توقّف “اسم علم” لم يكن انكفاءً عن الرسالة، ولا تراجعًا عن الإيمان بالكتاب والثقافة؛ كان أشبه بفترة صمتٍ اضطراريّ، قبل أن يستأنف الفكر مسيرته.
واليوم، إذ تعود السلسلة، فإنّنا لا نستأنف مجرّد مشروع نشر، بل نجدّد إيماننا بأنّ الجامعة لا تكتفي بإنتاج المعرفة، وإنّما عليها أيضًا أن تحفظ الذاكرة، وأن تفتح مساحات الحوار، وأن تجعل الكتاب جسرًا بين ما عشناه وما نريد أن نفهمه، بين الذاكرة والحاضر والمستقبل. “
وتابع الأب السّغبيني: ” إنّ تكريم فوّاز طرابلسي اليوم ليس تكريمًا لشخص فحسب، بل هو، بطريقة ما، تكريم لفكرة المثقّف الذي لا يتوقف عن السؤال؛ للمعرفة التي لا تنفصل عن المسؤوليّة؛ للكتاب الذي لا يكتفي بأن يخبرنا بما حدث، بل يدفعنا إلى التفكير في معنى ما حدث. وفي زمن يتراجع فيه الفكر أمام الضجيج، ويُختَزل التاريخ أحيانًا في شعارات وهويّات متصارعة، تصبح العودة إلى هذا النوع من الكتابة حاجةً ثقافيّة وأخلاقيّة. إنّها دعوة إلى التفكير لا إلى الاصطفاف؛ إلى الفهم لا إلى الأحكام الجاهزة؛ إلى مساءلة التاريخ بدل الاحتماء به.”
وبعدها شاهد الحضور مقتطفات مصورة من مقابلة أجرتها لحود مع طرابلسي حول مسيرته وأهم مؤلفاته، تلاها إلقاء الممثل جهاد الأطرش لقصيدة :”قمر مشغرة” لفواز طرابلسي، ورافقه على القانون حمزة حمية
بسكال لحود
بعدها كانت كلمة للحوّد عرضت فيها الكتاب التكريمي الذي شارك فيه باحثون من لبنان وفلسطين والعراق والبحرين والمغرب ومصر وكندا، وقالت : “الكتاب الذي نضعه بين أيديكم ليس اختصارًا لكتابات فوّاز، بل دعوة إليها.
إنَّه احتفاء بشغف فواز: بهذه القدرة على الانهمام بالعالم والناس والمعنى، حتى اللوعة والروعة. وكم نحن بحاجة إلى هذا الشغف في زمن الخدر الجماعي والقنوط الجماعي. في عصر بتنا نجرّ فيه انتباهنا جرًّا، كما يجرّ الكسالى أرجلهم، من فيديو إلى آخر، ومن نصّ قصير لا نقرأه إلى نصّ قصير لا نقرأه.
وهو احتفاء بشغب فواز أيضًا. وكم نحن بحاجة إلى الشغب في عصر تقودنا فيه الخوارزميّات، نحو الآراء الطرفيّة والبسيطة والأحاديّة؛ كم نحن بحاجة إلى أن نربّي في أنفسنا القدرة على اجتراح ما لا تتوقّعه الخوارزميّة؛ أن نسأل السؤال الذي لم تقترحه علينا، وأن نفكّر عكس السير. ففي عالم يعمل جاهدًا على توقّع ما سنفكّر فيه، وما سنحبّه، وما سنقرأه، لعلّ القدرة على الشغب هي آخر ما بقي لنا من حرّيّة التفكير.”
ثم ختمت متوجهة إلى المكرّم: “فوّاز طرابلسي، لا تكرّمك الجامعة لأنّك تشبهها، تكرمك لأن شغفك معدٍ، تكرمك لأنّ شغبك محرّر. تكرّمك مقاومة للسيل الذي يريدنا جميعًا أن يشبه بعضنا بعضًا.”

طرابلسي
وخلال كلمته، روى طرابلسي ولادته في بيروت ونشأته تحت تأثير موقعين متفارقين في البقاع، بلدة الوالد مشغرة أم الينابيع التي تلتحف الصخر وبلدة الدباغات والقمر الفضي وزحلة بلدة الوالدة حيث خطا خطواته الأولى في عالم اللغة العربية الكتب والتاريخ لدى الجد المؤرخ عيسى إسكندر المعلوف، وأخذ يستمتع بالشعر وهو يتلو اشعار اخواله فوزي وشفيق ورياض. وقد حضر نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ في المدرسة الكاثوليكية وقد استقبلت اسرته مربيّة نازحة من حيفا، وتبلور وعيه السياسي في المدرسة البروتستانتية ابان التمرّد على الإدارة وكرد فعل على العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ ولعبت انتكاسة الوحدة المصرية ١٩٦١ وهزيمة حزيران ١٩٦٧ في تجذير فكره وتجاوز الفكر القومي والانتقال الى الماركسية.
يقول طرابلسي عن تلك الفترة “عشت زمن الثورات وعشت مع الثوار” وهي حقبة سوف تقطعها الحرب الاهلية والغزو الإسرائيلي للبنان، عندما قرر الاستقالة من العمل الحزبي وانتقل الى باريس ١٩٨٤ لاستئناف الدراسة الجامعية وامتهان التدريس والكتابة. بديلا من الارتداد او المكابرة قرر ان يشهد وان يروي تجاربه ويقيمها نقديا بمختلف أنواع الكتابة، مؤثرا التعبير الادبي والفني على التعبير السياسي المباشر. وهو ما أسماه “تصنيع التجارب” لوضعها بين أيدي القرّاء والشباب خصوصًا. لكنه قرّر تخصيص المرحلة الجديدة من حياته للإنتاج في مجال التأريخ وفي تاريخ لبنان خصوصًا.
بعدها سرد طرابلسي تجاربه في الحياة. مارس الصحافة من المجلة في الثانوية الى إصداره “بدايات” التي سعت الى احياء تراث الفصليات الثقافية الجامعة. وتحدّث عن عمله في الترجمة وهو يعتبر ان مقياس الترجمة الناجحة هو ان يُقرأ النص المترجَم كأنه مكتوب أصلا باللّغة العربية.
وتابع بالقول: ” جئت الى التعليم متأخّرا، لم يجد مكانا له في الجامعة اللبنانية. وعملت في الجامعة اللبنانية الأميركية والجامعة الأميركية في بيروت. وتعلّمت في التعليم ان المعلّم هو أيضا من يتعلّم”.
وأعرب طرابلسي عن بالغ سروره لانه اسهم في تراث احياء الثقافة الشعبية على خطى مارون عبود وسلام الراسي. وقد أضاف الى تلك الاعمال صفحات متوضعة عن النساء اللبنانيات واقتصاد الحرير، وطقس “بسيّة بربارة” ورقصة الدبكة وقراء الحكم والامثال الشعبية بما هي تأملات في الطبيعة والحياة وقواعد سلوك أخلاقية في آن معا.
انتقل طرابلسي للحديث عن شغله على أبحاثه منذ كتاب “غيرنيكا-بيروت. جدارية لبيكاسو-مدنية عربية في الحرب” عن العنف في الحروب والحروب الاهلية. وقد اهتم بنوع خاص بالاستخدام المتزايد للطيران الحربي ضد المدنيين. وفي سياق متابعته لهذا الموضوع ختم فواز طرابلسي مداخلته بتحليل حادثتين عن المسافحة التي يمارسها الطيران الحربي مع جسم الانسان: دور مسيّرات الاغتيال الاسرائيلية في الجنوب اللبناني، و”زنار النار” للطيران الحربي الإسرائيلي في غزة. وختم طرابلسي بشكر رئيس الجامعة الانطونية الاب ميشال السغبيني والدكتورة لحود وأسرة الجامعة.
وفي ختام الإحتفال تم تقديم ريشة الجامعة الأنطونية الفضّية الى طرابلسي.