هل أصبحت اليمن بديلاً استراتيجياً عن لبنان في منظومة الردع الإيرانية؟

المحامي ميشال فلاّح

ثمة سؤال تفرضه التحولات العسكرية المتسارعة في اليمن: هل نشهد انتقال مركز الثقل في منظومة النفوذ والردع الإيرانية من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر؟ وإذا صح ذلك، فهل تصبح اليمن، تدريجياً، بديلاً استراتيجياً عن لبنان، أم أن صعود الجبهة اليمنية يجعل الجبهة اللبنانية أكثر عرضة للحسم؟
السؤال لم يعد نظرياً. ففي 11 أيلول الجاري، أفادت مصادر حكومية يمنية بوصول الحوثيين إلى جزيرة ميون/بريم وسيطرتهم على ذباب المقابلة لها، بعد سقوط المخا وتقدمهم على ساحل البحر الأحمر. وجزيرة ميون ليست قطعة أرض يمنية عادية، فهي تقع وسط باب المندب الذي لا يتجاوز عرضه نحو 29 كيلومتراً عند أضيق نقطة، ويمثل إحدى أهم عقد التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
هنا تحديداً تبدأ المقارنة مع لبنان.

من جغرافيا الصواريخ إلى جغرافيا الممرات
اكتسب حزب الله، طوال عقود، قيمة استثنائية في الاستراتيجية الإيرانية لثلاثة أسباب: موقعه المباشر على حدود إسرائيل، قدرته العسكرية، وإمكان استخدامه كقوة ردع متقدمة بعيداً عن الأراضي الإيرانية. لكن اليمن يقدم لطهران ميزة لا يستطيع لبنان تقديمها، وهي القدرة على التأثير في شريان اقتصادي عالمي.
فمن يملك قدرة تعطيل باب المندب لا يضغط على إسرائيل وحدها، بل على قناة السويس، والتجارة الأوروبية–الآسيوية، وإمدادات الطاقة، والمصالح الخليجية. وتزداد هذه الورقة أهمية بصورة هائلة عندما تتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. وقبل الحرب الحالية كان هرمز يمرر نحو خُمس الإمدادات اليومية العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، فيما يمر عبر باب المندب نحو 7% من إنتاج النفط العالمي.
وهكذا تتغير فلسفة الردع نفسها، من تهديد الخصم عسكرياً إلى تهديد النظام الذي يعتمد عليه اقتصاد الخصم وحلفاؤه.

اليمن ليس لبنان
سيكون من الخطأ الاستنتاج أن الحوثيين يستطيعون ببساطة الحلول محل حزب الله. فوظيفة الطرفين مختلفة. اليمن يمتلك امتياز الجغرافيا البحرية، بينما يمتلك لبنان امتياز الجغرافيا الإسرائيلية المباشرة. الحوثيون يستطيعون التأثير في الملاحة والطاقة والسعودية، أما حزب الله فيمثل – من المنظور الإيراني – ورقة متصلة مباشرة بالأمن الإسرائيلي وبشرق المتوسط.
الأدق، إذاً، الحديث عن إعادة توزيع وظائف داخل شبكة النفوذ الإيرانية، لا عن استبدال وكيل بآخر. وهذه إحدى سمات ما يعرف في العلاقات الدولية بـ«الردع الشبكي»: لا تحتاج الأطراف إلى أن تكون متساوية أو خاضعة لقيادة عملياتية واحدة، بل يكفي أن يستطيع كل طرف إنتاج كلفة مختلفة في جغرافيا مختلفة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الخريطة شديدة الدلالة: إيران عند هرمز، الحوثيون عند باب المندب، وحزب الله على الجبهة الشمالية لإسرائيل. إنها ليست وحدة جغرافية، لكنها تستطيع أن تعمل كـقوس ضغط استراتيجي يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.

المفارقة اللبنانية
وهنا تظهر نتيجة تبدو متناقضة. كلما ازدادت قوة الورقة اليمنية، قد تنخفض حاجة إيران إلى إشعال الجبهة اللبنانية. ففتح مواجهة كبرى من لبنان يعرّض حزب الله وبيئته ولبنان نفسه لأثمان هائلة، بينما تستطيع جبهة البحر الأحمر إنتاج ضغط دولي واسع بكلفة مختلفة.
لكن المعادلة تعمل أيضاً في الاتجاه المعاكس. فإذا خلصت إسرائيل إلى أن خصومها الإقليميين يعيدون بناء شبكة ضغط متعددة الجبهات، فقد تعتبر أن الظرف الحالي يوفر فرصة لتقليص قدرة الحلقة الأقرب إليها، أي حزب الله، قبل أن تستعيد إيران وحلفاؤها توازنهم. وتكتسب هذه الفرضية ثقلاً إضافياً مع التطورات اللبنانية الأخيرة. فقد أعلنت إسرائيل في 10 أيلول تدمير بنية تحتية واسعة تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، وقالت إن العملية استكملت تثبيت ما وصفته بمنطقة أمنية، وإن قواتها ستبقى لمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته.
وبالتالي يمكن أن تنتج قوة الحوثيين نتيجتين متعاكستين: احتواء لبنان إيرانياً، وتسريع الضغط عليه إسرائيلياً.

السعودية تعود إلى قلب المعادلة
هناك متغير آخر لا يجوز إغفاله: السعودية. فالتقدم الحوثي بات يمس مباشرة أمن المملكة ومنافذها الاقتصادية. وقد تزامن ذلك مع هجمات حوثية هي الأخطر على السعودية منذ هدنة 2022، فيما أصبحت الرياض أكثر اعتماداً على مسار البحر الأحمر مع اضطراب هرمز.
وهذا يعيد تشكيل الحسابات الإقليمية. فالسعودية التي سعت طوال سنوات إلى الخروج من المستنقع اليمني تجد نفسها مجدداً أمام سؤال أمني مباشر، بينما أظهرت باكستان في 10 أيلول حذراً بشأن إمكان تفعيل اتفاق الدفاع المشترك بينها وبين السعودية وتركيا رداً على الهجمات الحوثية. إذا استمر هذا الاتجاه، فقد نكون أمام إعادة تكوين للاستقطابات الإقليمية لا تقوم فقط على إيران وإسرائيل، وإنما أيضاً على أمن الممرات والطاقة والدفاع الجماعي الخليجي.

ماذا يعني ذلك سياسياً للبنان؟
لبنان هنا أمام مشكلة تتجاوز حزب الله. فكلما أصبح الشرق الأوسط منظومة ساحات مترابطة، ازدادت صعوبة إقناع القوى الدولية بأن أحداث لبنان منفصلة عن الصراع الإقليمي. وهذا قد يرفع الضغط على الدولة اللبنانية لإثبات قدرتها على احتكار القرار العسكري والسياسة الخارجية، ويحوّل مسألة السلاح من نزاع لبناني داخلي إلى عنصر في ترتيبات أمنية إقليمية أوسع.
وهنا تكمن الخطورة، أن يصبح مستقبل جنوب لبنان جزءاً من تسوية تتناول هرمز وباب المندب وإيران وإسرائيل، بدلاً من أن يبقى مسألة يقرر اللبنانيون وحدهم شروط معالجتها.

خمس خلاصات
أولاً، اليمن لا يحل محل لبنان في الاستراتيجية الإيرانية، بل يغيّر أهميته النسبية داخلها.
ثانياً، السيطرة أو القدرة على التعطيل عند باب المندب تمنح الحوثيين وزناً يتجاوز كثيراً حدود اليمن.
ثالثاً، تنشأ أمام إيران للمرة الأولى تقريباً إمكانية ضغط متزامن على عقدتين بحريتين عالميتين: هرمز وباب المندب، في وقت تبقى فيه الجبهة اللبنانية متصلة مباشرة بإسرائيل.
رابعاً، صعود الحوثيين قد يشجع طهران على حماية الورقة اللبنانية وعدم استنزافها، لكنه قد يمنح إسرائيل حافزاً معاكساً لاستكمال إضعافها.
خامساً، الخطر الأكبر على لبنان ليس بالضرورة اندلاع حرب بسبب اليمن، بل إدخال لبنان في صفقة إقليمية كبرى لا يكون هو من يحدد شروطها.

وهنا ربما تكمن الخلاصة الأهم، اليمن لم يصبح بديلاً عن لبنان، لكنه غيّر قيمة لبنان داخل المعادلة. ففي الجيوبوليتيك لا تقاس القوة بعدد المقاتلين أو الصواريخ وحدها، بل بالموقع الذي تستطيع منه الدولة أو القوة غير الدولتية أن تفرض كلفة على الآخرين. ومن يقارن اليوم بين جنوب لبنان وباب المندب يكتشف أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد يدور فقط حول الأرض، بل حول من يملك مفاتيح الممرات، ومن يملك قرار فتح الجبهات، ومن يستطيع في النهاية إغلاقها.