في ليلة الثامن من أيلول… حين تضيء مريم عتمة اللبنانيين

المحامي ميشال فلاّح

مع حلول مساء السابع من أيلول، ثمة شيء يتغيّر في بعض أحياء بيروت وضواحيها. تُضاء الكنائس، يثقل الهواء برائحة البخور، تتكاثر الشموع أمام أيقونات العذراء، ويأتي الناس، بعضهم للصلاة، وبعضهم لنذر قديم، وبعضهم الآخر لأن قلبه اعتاد، منذ الطفولة، أن يجد عند مريم مكاناً آمناً لأوجاعه.
إنها ليلة ميلاد السيدة العذراء، العيد الذي تحتفل به الكنيسة في الثامن من أيلول، والذي حمل في الذاكرة الشعبية المشرقية اسماً آخر لا يزال يتردد حتى اليوم: «عيد صيدنايا».
من صيدنايا جاء الاسم
ليس «عيد صيدنايا» عيداً آخر غير ميلاد العذراء. إنما ارتبط الاسم بدير سيدة صيدنايا التاريخي في سوريا، أحد أعرق المزارات المريمية في المشرق، والذي ينسب التقليد تأسيسه إلى القرن السادس الميلادي، في عهد الإمبراطور يوستنيانوس.
وعلى مدى أجيال، كان المؤمنون يقصدون صيدنايا في موسم ميلاد العذراء، فتتحول ليلة السابع من أيلول والثامن منه إلى حج وصلوات وزياحات وشموع ونذور. ومع الزمن، التصق اسم المكان بالعيد نفسه، حتى صار الناس في سوريا ولبنان يقولون ببساطة: «عيد صيدنايا»، فيما المقصود عيد ميلاد والدة الإله.
إنها واحدة من تلك الحالات الجميلة التي يصنع فيها الإيمان الشعبي لغته الخاصة، فيختصر التاريخ والجغرافيا والعقيدة بكلمتين تحفظهما الذاكرة.
المنصورية… عيد الكنيسة والضيعة
وللعيد في ضواحي بيروت نكهته الخاصة. في كنيسة ميلاد السيدة في المنصورية، لا يبقى الثامن من أيلول مجرد تاريخ في الروزنامة الطقسية. يصبح عيداً للرعية وللبلدة وللبيوت المحيطة بها. يتوافد المؤمنون إلى الكنيسة، تضاء الشموع، ترتفع الصلوات، ويأتي كل واحد حاملاً شيئاً لا يراه الآخرون: مريضاً يريد له الشفاء، ابناً بعيداً، عائلة يقلق عليها، غائباً ينتظر عودته، أو نعمة جاء ليقول شكراً عليها.
هكذا كانت علاقة اللبنانيين بمريم دائماً: علاقة بيت بأمّه، أكثر منها علاقة مناسبة بطقس.
وفي كنيسة ميلاد السيدة – صيدنايا في الدكوانة، يستعيد الاسم نفسه ذلك الخيط الممتد من لبنان إلى صيدنايا. هنا أيضاً يمتزج العيد بحياة الناس: القداس والصلاة والبخور والشموع من جهة، واللقاء بين أبناء الرعية والعائلات من جهة أخرى. فيخرج العيد من حدود المذبح ليصبح مناسبة اجتماعية أيضاً، من دون أن يفقد جوهره الروحي.
وتختلف العادات من منطقة إلى أخرى، لكن المشهد واحد تقريباً: زيارة الكنيسة، إضاءة الشموع، تقديم النذور، طلب الشفاعة، المشاركة في القداس والزياحات حيث تقام، واجتماع العائلة حول عيد يعتبره كثيرون واحداً من أجمل محطات السنة المريمية.
لماذا تحتفل الكنيسة بميلاد مريم؟ لأن ميلاد مريم، في الإيمان المسيحي، ليس حدثاً منفصلاً عما سيأتي بعده. فالتقليد الكنسي يروي قصة والديها، يواكيم وحنّة، وانتظارهما الطويل قبل أن يرزقا بها. ومن هذه الطفلة ستبدأ صفحة جديدة في تاريخ الخلاص: مريم التي ستقول لله «نعم»، وتحمل المسيح وتعطيه للعالم. ولهذا يأتي عيد ميلادها محمّلاً بمعنى الرجاء.
إنه يقول للإنسان إن الانتظار ليس دائماً فراغاً، وإن الله يستطيع أن يفتح باباً حيث تبدو الأبواب كلها مقفلة. يقول له إن الأحداث الكبرى قد تبدأ من مكان صغير، وإن طفلة وُلدت في بيت متواضع استطاعت، بإيمانها وتسليمها، أن تصبح أمّاً للمسيح وأماً في وجدان الملايين.
ولعل ذلك ما يفسر قرب مريم الاستثنائي من الناس. فهي ليست في الوجدان المسيحي صورة بعيدة معلّقة في الكنائس، بل الأم الحاضرة في الفرح والحزن، في الولادة والموت، في المرض والسفر، وفي تلك اللحظات التي لا يعرف فيها الإنسان إلى من يتكلم.
مريم… حين يلتقي اللبنانيون
وفي لبنان تحديداً، تتجاوز مريم حدود الكنائس والطوائف. يكرّمها الكاثوليك والأرثوذكس وسائر المسيحيين، وإن اختلفت بعض التقاليد والتعابير الطقسية. ولها في الإسلام أيضاً منزلة رفيعة وفريدة؛ فالقرآن يذكرها بتكريم استثنائي، وتحمل إحدى سوره اسم «مريم».
ولهذا لم تكن مصادفة أن تنتشر الكنائس والمزارات المريمية فوق الجبال وفي المدن والقرى، ولا أن يقصد بعضها مسيحيون ومسلمون معاً. ففي بلد أتقن أهله، للأسف، صناعة الحدود بينهم، بقيت مريم في كثير من الأحيان أوسع من الحدود.
ومن هنا أيضاً أهمية الأعياد المرتبطة بها: البشارة، وميلادها، وانتقالها أو رقادها، وسائر المناسبات المريمية. فهي لا تحفظ تقليداً دينياً وحسب، بل تحفظ شيئاً من ذاكرة لبنان نفسه؛ لبنان القرى التي كانت أجراسها تعلن العيد، والأمهات اللواتي علّمن أولادهن الصلاة، والنذور التي حملتها أجيال، والشموع التي أضيئت من أجل مسافر أو مريض أو وطن.
وفي هذا الثامن من أيلول، يعود اللبنانيون إلى مريم مثقلين بما يكفي من الخوف والقلق والتعب. من المنصورية إلى الدكوانة، ومن بيروت إلى الجبل، وصولاً إلى أبعد قرية تتربع فيها كنيسة صغيرة على اسم السيدة، ستضاء الشموع من جديد.
وقد تكون الشمعة صغيرة أمام كل هذا الظلام. لكن الإيمان لم يقس النور يوماً بحجمه. فشمعة أمام مريم قد لا تغيّر العالم في لحظة، لكنها تقول إن اللبناني، مهما اشتدت عليه العتمة، ما زال يؤمن بأن للنور الكلمة الأخيرة.
وكل عام ولبنان تحت عباءة مريم.