عندما يصبح الطفل مؤثراً: من يحمي القاصرين في العالم الرقمي؟

المحامي ميشال فلاّح

لم يعد السؤال في لبنان والعالم: هل يستخدم الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من المسؤول عندما تتحول حياة الطفل نفسها إلى محتوى؟
فالقاصر اليوم لا يدخل العالم الرقمي كمشاهد فقط، قد يصبح صانع محتوى أو “مؤثراً صغيراً”، وتتحول صورته وصوته ويومياته إلى مادة تجارية تدرّ دخلاً على والديه أو المنصات أو المعلنين. وهنا تبدأ المشكلة القانونية الحقيقية: متى نكون أمام مشاركة عائلية عادية، ومتى تتحول الطفولة إلى نشاط اقتصادي واستغلال لطفل لا يملك القدرة الكاملة على تقدير آثار ما يُنشر عنه؟

الطفل ليس مستخدماً بالغاً
يدخل الطفل البيئة الرقمية بقدرات نفسية ومعرفية لا تزال في طور النمو. لذلك، فإن معاملته باعتباره “مستخدماً عادياً” تتجاهل محدودية قدرته على تقدير المخاطر وفهم قيمة الخصوصية وتوقع النتائج المستقبلية لصورة أو فيديو قد يبقى متداولاً سنوات طويلة.
وتزداد المخاطر مع الاستخدام المفرط، والتنمر الإلكتروني، والمحتوى غير الملائم، والاستغلال، والإعلانات الموجهة، وضغط المقارنة الاجتماعية وصورة الجسد، فضلاً عن اضطراب النوم وقلة النشاط ومشكلات التركيز. لكن الخطر الأعمق يظهر عندما يصبح الطفل نفسه سلعة رقمية.

“المؤثرون الصغار”: حين تصبح الطفولة عملاً
انتشرت ظاهرة الأطفال المشاركين بصورة منتظمة في إنتاج محتوى تجاري، سواء عبر حسابات عائلية يديرها الأهل أو من خلال الإعلانات المباشرة. وهنا يبرز سؤال قانوني حساس: هل تكفي موافقة الوالدين لجعل الاستغلال التجاري لصورة الطفل مشروعاً؟
الجواب لا ينبغي أن يكون بالإيجاب بصورة مطلقة. فالوالدان يمارسان واجب الرعاية والولاية، لكن ذلك لا يمنحهما حقاً مطلقاً في التصرف بخصوصية الطفل ومستقبله الرقمي أو ثمرة نشاطه الاقتصادي.
وقد أدركت فرنسا هذه الإشكالية مبكراً، فأصدرت القانون رقم 2020-1266 لتنظيم الاستغلال التجاري لصورة الأطفال دون السادسة عشرة على المنصات الإلكترونية، وأخضعت بعض أشكال نشاطهم الرقمي لضمانات تتعلق بظروف العمل والأموال الناتجة عنه، فضلاً عن حق الطفل في محو المحتوى في حالات معينة.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه ينقل النقاش من سؤال “هل وافق الأهل؟” إلى سؤال “هل حُمي الطفل؟”

من مسؤولية الأهل إلى مسؤولية المنصات
لا يمكن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية حماية القاصر. فالمنصات تعرف أن الأطفال يستخدمون خدماتها، وأن خصائص مثل التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي والإشعارات والتوصيات الخوارزمية قد تدفع المستخدم إلى البقاء مدة أطول.
لذلك اتجه الاتحاد الأوروبي، من خلال قانون الخدمات الرقمية (DSA)، إلى فرض مسؤوليات مباشرة على المنصات في حماية القاصرين، وتعزيز الخصوصية والسلامة، وحظر الإعلانات الموجهة إليهم في حالات محددة، مع التزامات إضافية على المنصات الكبرى. كما أصدرت المفوضية الأوروبية عام 2025 إرشادات خاصة بحماية القاصرين، وتصاعدت في 2026 الرقابة على تصميم المنصات وتأثيره في الأطفال.
وهكذا لم يعد “التصميم الإدماني” مجرد مسألة تربوية، بل أصبح أيضاً موضوعاً قانونياً وتنظيمياً.

لمن تنتمي طفولة الطفل الرقمية؟
قد يكون الطفل سعيداً اليوم بظهوره في حساب والديه أو حسابه، لكنه بعد عشر سنوات قد يرفض وجود آلاف الصور والفيديوهات التي توثق طفولته أمام الجميع. فمن يملك هذه الذكريات: الأهل، أم المنصة، أم الطفل نفسه؟
تحمي اتفاقية حقوق الطفل خصوصية القاصر ومصلحته الفضلى وحقه في التعبير والمشاركة، وقد أكد التعليق العام رقم 25 للجنة حقوق الطفل عام 2021 أن حقوق الطفل يجب أن تُصان في البيئة الرقمية كما في العالم الواقعي. ومن هنا ينبغي أن تشكل مصلحة الطفل الفضلى نقطة الانطلاق في أي تشريع.

الحماية أم المنع؟
الحظر الكامل لوسائل التواصل ليس بالضرورة الحل الأمثل، لأنه يثير بدوره أسئلة تتعلق بحرية التعبير والوصول إلى المعلومات والمشاركة الاجتماعية. وقد ظهر هذا النقاش بوضوح في فرنسا، حيث أثارت القيود العمرية على استخدام شبكات التواصل مسألة التناسب بين حماية القاصرين وضمان الحقوق الأساسية، وصولاً إلى تدخل المجلس الدستوري الفرنسي في آب 2026 بشأن صيغة الحظر المعروضة عليه.
لذلك يبدو الاتجاه الأكثر توازناً هو الحماية المتدرجة بحسب العمر وطبيعة الخطر، بدلاً من الاكتفاء بالمنع المطلق.

ولبنان بدأ يطرح السؤال تشريعياً
في 25 شباط الفائت، تقدّم النائب طوني فرنجيه باقتراح قانون لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال دون الرابعة عشرة، مع إلزام المنصات بآليات للتحقق من العمر. كما طُرح توجه تشريعي آخر لرفع السن إلى السادسة عشرة، ما يؤكد انتقال المسألة في لبنان من النقاش الاجتماعي والتربوي إلى المجال التشريعي.
كما تناولت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان مخاطر البيئة الرقمية على الأطفال، من التنمر والاستغلال والمحتوى الضار إلى جمع البيانات وخصائص التصميم المشجعة على الاستخدام المفرط، مع إثارة سؤال أساسي: هل الحظر الكامل هو الوسيلة الأكثر تناسباً للحماية؟
وهنا تكمن صعوبة التشريع اللبناني. فمن جهة، لا يمكن ترك الطفل أمام منصات مصممة لجذب انتباهه وتحويل بياناته ووقته إلى قيمة اقتصادية. ومن جهة أخرى، يثير الحظر المطلق إشكاليات الخصوصية وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات، فضلاً عن معضلة التحقق من العمر من دون جمع مزيد من بيانات القاصرين.
لذلك، لا ينبغي أن يكون الخيار بين “المنع الكامل” و”الفوضى الكاملة”، بل المطلوب منظومة حماية متدرجة تراعي العمر وطبيعة المنصة والمحتوى ومستوى الخطر، وتحمي بيانات القاصرين، وتنظم المحتوى التجاري الذي يشارك فيه الأطفال، ولا سيما ظاهرة “المؤثرين الصغار”.
كما لا يجوز حصر المسؤولية بالأهل. فالمنصة التي تحقق أرباحاً من وقت الطفل وبياناته وانتباهه يجب أن تتحمل بدورها مسؤولية قانونية تتناسب مع قدرتها على التحكم في البيئة الرقمية.

الطفل ليس محتوى
المطلوب ليس حرباً على التكنولوجيا ولا إعادة الأطفال إلى عالم بلا إنترنت، بل تذكّر قاعدة بسيطة، أن التكنولوجيا وُجدت لخدمة الإنسان، لا لتحويل طفولته إلى منتج. وعندما ينشر الأهل صورة طفلهم، أو يصبح الطفل “مؤثراً”، أو تصمم منصة خوارزمية تدفعه إلى البقاء ساعات أطول، لا يكفي السؤال “هل هذا قانوني؟”، بل يجب أن نسأل أولاً “هل هذا في مصلحة الطفل؟”. فالمعيار ليس عدد المشاهدات أو المتابعين أو حجم الأرباح، بل كرامة الطفل وسلامته وخصوصيته وصحته وحقه في أن يكبر من دون أن تتحول طفولته إلى سجل رقمي مفتوح أمام الجميع.

ولبنان، إذا أراد بناء منظومة قانونية حديثة، لا يحتاج فقط إلى قانون يقول للطفل “ابتعد عن وسائل التواصل”، بل إلى قانون يقول للأهل والمنصات والمعلنين والمجتمع كله “الطفل ليس مستخدماً عادياً، وطفولته ليست ملكاً لأحد”.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يسبق تحديد أي سن قانونية، هل نريد منع الطفل من العالم الرقمي، أم منع العالم الرقمي من استغلال الطفل؟ فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين تشريع يقوم على الحظر، وتشريع يقوم على الحماية.