المحامي ميشال فلاّح
لماذا يُفترض، في لبنان، أن قيام الجيش اللبناني بمهمته الدستورية في حصر السلاح بيد الدولة هو مقدمة لحرب أهلية؟ ومن أين جاءت هذه المعادلة الغريبة التي تجعل تطبيق الدولة للقانون سبباً للحرب، بينما يصبح استمرار السلاح خارج مؤسساتها أمراً يُفترض التعامل معه كواقع دائم؟
هذه الفرضية ليست فقط مثيرة للقلق، بل هي خطأ استراتيجي وقانوني في آن. فالدستور اللبناني لا يعرف دولة تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة. بل إن مقدمته تنص صراحة على أن لبنان وطن سيد حر مستقل، واحد في أرضه وشعبه ومؤسساته، وأن الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة التي يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. كما أن المادة 49 تجعل رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء، فيما تؤكد المادة 65 خضوع القوات المسلحة للسلطة التنفيذية.
بمعنى آخر، الدستور لا يمنح أي جماعة سياسية أو طائفية أو حزبية سلطة موازية على القوة المسلحة. والسيادة ليست فكرة رمزية؛ إنها، في جوهرها، قدرة المؤسسات الشرعية على تطبيق القانون وحماية المواطنين وإدارة قرار الحرب والسلم. والأهم أن هذا المبدأ ليس استنتاجاً سياسياً جديداً. فقد حسمه اتفاق الطائف نفسه. إذ نصت وثيقة الوفاق الوطني على قيام دولة قوية وقادرة، وعلى بسط سلطة الدولة تدريجياً على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية، وعلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً، إذا كان نزع سلاح الميليشيات هو جزء من التسوية التي أنهت الحرب الأهلية، فكيف يتحول اليوم إلى سبب مفترض لاستئنافها؟ بل إن المجتمع الدولي تبنّى المبدأ نفسه. فقد طالب قرار مجلس الأمن 1559 بتفكيك ونزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وربط ذلك بتعزيز سيادة لبنان واستقلاله السياسي. وفي القرار 1701، جرى التأكيد على التنفيذ الكامل لأحكام الطائف والقرار 1559، وعلى ألا تكون هناك أسلحة أو سلطة في لبنان غير تلك التابعة للدولة اللبنانية.
كما أن الأمم المتحدة، في تقاريرها حول لبنان، لم تتعامل مع مسألة السلاح خارج الدولة باعتبارها حقاً مكتسباً لجماعات سياسية، بل اعتبرت استمرار الميليشيات عاملاً يقوض ترسيخ الدولة واستقرار البلاد والمنطقة. وفي الوقت نفسه، شددت على أن عملية نزع السلاح ينبغي أن تتم من خلال مسار سياسي يعيد السلطة كاملة إلى الحكومة اللبنانية، بحيث يعزز نزع السلاح الدولة ولا يضعفها.
وهذا يقود إلى التمييز الضروري بين نزع السلاح بالقوة العمياء وبين تنفيذ خطة وطنية متدرجة لحصر السلاح بيد الدولة. الأول قد يؤدي إلى مواجهة، ربما. أما الثاني، إذا قام على قرار سياسي وطني، ومراحل زمنية واقعية، وضمانات قانونية وأمنية، وحوار جدي حول مستقبل حاملي السلاح، فيمكن أن يكون أداة لإدارة الانتقال ومنع الصدام، لا وصفة له.
وهذه ليست نظرية لبنانية فقط. فقد عرفت دول خرجت من حروب أهلية عمليات منظمة لما يُعرف دولياً بسياسات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR). ففي سيراليون، أُنشئ برنامج بإشراف الحكومة والأمم المتحدة، وأسهم خلال سنوات في نزع سلاح عشرات الآلاف من المقاتلين وتسريحهم وإعادة إدماجهم. وفي كولومبيا، تطورت برامج الخروج من الجماعات المسلحة لتشمل، إلى جانب نزع السلاح، المشاركة السياسية والاجتماعية وإعادة الإدماج. كما تقدم تجربة إيرلندا الشمالية نموذجاً على أهمية إشراك المقاتلين السابقين في مسار الانتقال إلى الحياة المدنية.
والقاعدة الدولية الأوسع هي أن حماية الإنسان لا تنفصل عن وجود دولة قادرة على حماية أمنه. فالمادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقر لكل إنسان الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه، بينما يربط الإعلان حماية الحقوق بسيادة القانون والمساواة أمامه. والدستور اللبناني نفسه يُلزم الدولة باحترام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومواثيق الأمم المتحدة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس هل يؤدي نزع السلاح إلى حرب أهلية؟ بل إلى متى تستطيع دولة أن تبقى دولة إذا لم تكن صاحبة القرار الحصري في القوة والحرب والسلم؟
نعم، يمكن أن يكون الانتقال صعباً. ويمكن أن يحتاج إلى سنوات، وتسويات وطنية، وضمانات سياسية وأمنية، وربما إلى مواكبة إقليمية ودولية. لكن تحويل الخوف من الصدام إلى ذريعة دائمة لعدم اتخاذ القرار يعني عملياً إبقاء أسباب الصدام قائمة. الحرب الأهلية لا تبدأ عندما تستعيد الدولة سلطتها، بل تبدأ عندما يصبح تعدد مراكز القوة أمراً دائماً، وعندما تستطيع جماعات مسلحة أن تمنح نفسها حق النقض على الدولة.
ولهذا، فإن القول إن قيام الجيش اللبناني بمهمته في حصر السلاح بيد الدولة هو بحد ذاته بداية حرب أهلية، ليس تحذيراً استراتيجياً بقدر ما هو قلب للمعادلة. فالسلام المستدام لا يُبنى على توازن دائم بين قوى مسلحة، بل على دولة واحدة، ومؤسسات شرعية واحدة، وقرار وطني واحد بالحرب والسلم.


