دير الأحمر تحيي شهداء المقاومة… ورسائل عن السيادة وشكل الدولة

أحيت منطقة دير الأحمر في «القوات اللبنانية» قداس شهداء المقاومة اللبنانية في كنيسة مار نهرا – بتدعي، تحت شعار «من الجذور مقاومة لا تنتهي»، في مناسبة جمعت البعدين الروحي والوجداني بالرسائل السياسية، واستحضرت تضحيات الشهداء وما حملته من معانٍ مرتبطة بالحرية والسيادة ومستقبل الدولة اللبنانية.

شارك في القداس راعي أبرشية بعلبك – دير الأحمر المارونية المطران حنّا رحمة، والنائب العام الخورأسقف بول كيروز، والبرديوط هنري عماد، إلى جانب الراهبات والكهنة والرهبان، وأهالي الشهداء، والنائب أنطوان حبشي، والنائب السابق الشيخ ربيعة كيروز، ورئيس اتحاد بلديات منطقة دير الأحمر المهندس هنري فخري، ورؤساء البلديات، ورئيس رابطة مخاتير منطقة دير الأحمر بطرس حبشي والمخاتير، وأعضاء جوقة رهبان بيت مارون، والطلاب الإكليريكيين، ومنسّق «القوات اللبنانية» في منطقة البقاع الشمالي إلياس بو رفول، ورئيس جهاز الشهداء والأسرى والمصابين في «القوات اللبنانية» شربل أبي عقل، ورؤساء المراكز وأعضاء المنسقية، ومديرو المدارس الحاليون والسابقون، وحشد من أبناء المنطقة.

في عظته، استعاد المطران رحمة ذكريات الحرب والوقع القاسي الذي كانت تتركه أخبار الشهداء في نفوس أهالي دير الأحمر، مستذكراً مشهداً من طفولته حين شاهد والده يتلقى خبر استشهاد أحد أقاربه، فيتحول من رجل متماسك إلى إنسان يبكي ويصرخ ألماً.

وأكد أن استذكار الشهداء اليوم هو استذكار لتضحيات تركت أثراً عميقاً في وجدان المنطقة، متوقفاً عند تزامن القداس مع تذكار قطع رأس يوحنا المعمدان، الذي واجه هيرودس بكلمة الحق من دون خوف أو مساومة، قائلاً له: «لا يحلّ لك».

وقال رحمة إن رأس يوحنا سقط، لكن كلمة الله لم تسقط، وإن يوحنا مات، لكن الحق لم يمت، معتبراً أن الخيط الذي يجمع بين شهادة يوحنا وشهداء المقاومة اللبنانية هو «الشهادة للحق».

وأوضح أن المقاومة في جوهرها ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي الوقوف في وجه الشر والظلم، والقول للخطيئة «لا»، وللظلم «لا»، ولمن يريد قتل الحق «لا وألف لا».

وشدد على أن استذكار الشهداء لا يعني إعادة الحقد أو فتح جراح الماضي، بل حماية ما استشهدوا من أجله، مؤكداً أن رسالة الشهيد إلى الأحياء هي: «أنتم الذين بقيتم، فاحموا ما متنا من أجله وأكملوا المسيرة».

ودعا إلى حماية لبنان بالوحدة لا بالتقسيم، والحرية من دون استعباد الآخر، والمسيحية بالإيمان والمحبة والشهادة الحقيقية، لا بكراهية الآخرين.

وأكد أن الشهادة لا تقتصر على موت الإنسان من أجل الحق، بل على أن يعيش الأحياء من أجل الحق بعد رحيل الشهداء، داعياً إلى الصلاة كي لا يضطر لبنان بعد اليوم إلى تقديم شهداء جدد.

وقال إن «مجد لبنان» ليس في سقوط شبابه في الحروب، بل في أن يعيشوا في السلام والحرية والكرامة، مشدداً على أن الوفاء للشهداء يكون بحمل لبنان الذي أحبوه، لبنان الحرية والتنوع والعيش معاً، وتحويل ذكراهم «من جرح إلى رجاء، ومن دم إلى حياة، ومن ماضٍ مؤلم إلى مستقبل أفضل».

كما ربط رحمة مفهوم المقاومة بجذور تاريخية وروحية تمتد من يوحنا المعمدان إلى تلاميذ مار مارون والبطريرك يوحنا مارون، وصولاً إلى البطريرك دانيال الحدشيتي الذي قاد المقاومة ضد المماليك واستشهد عام 1282، والبطريرك جبرائيل حجولا الذي استشهد حرقاً على يد المماليك عام 1367.

وختم بالتأكيد أن «رأس يوحنا قد سقط، لكن الحق لن يسقط»، وأن الشهداء ماتوا لكن الرجاء يبقى، ومن الجذور تبقى المقاومة ولا تنتهي.

من جهته، استهل النائب أنطوان حبشي كلمته بنقل تحية رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع إلى أبناء دير الأحمر، موضحاً أن ظرفاً طارئاً حال دون حضوره شخصياً.

وقال حبشي إن جعجع يعتبر أن «الرجال موجودون في هذا المقلب من الجبل»، وإن أبناء المنطقة الذين رافقوه منذ البدايات لا يزالون حاضرين معه، مؤكداً أن دير الأحمر جزء لا يتجزأ من المسيرة التي خاضتها «القوات اللبنانية» في لبنان.

ثم توجه حبشي إلى الشهداء، مستعيداً عبارة سمعها قبيل القداس: «طار راسو بس ما باع ضميرو»، ليقول لهم: «إنتو ضميرنا».

ورأى أن الكثير مما ناضل الشهداء من أجله بدأ يظهر اليوم، وأن ما وقفوا في وجهه يتراجع ويسقط فصلاً بعد فصل، معرباً عن قناعته بأن «فصل الشر» القائم اليوم سيصل بدوره إلى نهايته.

وتوقف عند العبارة التي يرددها البعض «الله يقدسن» عند الحديث عن الشهداء، ليقول: «إنتو قدّسونا»، مستنداً إلى الإيمان المسيحي بأن دم الشهداء زرع إيماناً، ومستذكراً قصة استشهاد إسطفانوس وتحول شاول إلى بولس الرسول.

وأشار إلى أن دموع أهالي الشهداء بقيت حاضرة رغم مرور عقود على استشهاد أبنائهم، مؤكداً أن الفقد، مهما طال الزمن، يبقى حاضراً في وجدان العائلات.

وانتقل حبشي من البعد الإيماني إلى السياسي، قائلاً إن «لبنان اليوم سيادته ليست بخير»، وإنها مهددة من الخارج بالاحتلال الإسرائيلي، ومن الداخل بالسلاح غير الشرعي، معتبراً أن هذا السلاح جرّ لبنان إلى الاحتلال والحروب تباعاً.

لكنه شدد على أن معالجة السلاح والعنف، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء لبنان الذي استشهد من أجله المقاومون، معتبراً أن المشكلة تتصل أيضاً بشكل الدولة وقدرتها على تأمين الاستقرار.

وأشار إلى أن تاريخ لبنان منذ الاستقلال شهد أزمات وحروباً متكررة، من أحداث عام 1958 والحروب الإقليمية إلى اتفاق القاهرة وما تلاه، وصولاً إلى الأزمات المتلاحقة في العقود الأخيرة.

ورأى أن تكرار الأزمات كل ست أو سبع أو عشر سنوات يفرض طرح سؤال أساسي حول «شكل الدولة» الذي بُني منذ عام 1943، معتبراً أن التجربة أثبتت أن هذا الشكل لا يؤمّن الاستقرار المطلوب ولا يضمن مستقبلاً طبيعياً للأجيال المقبلة.

وقال بوضوح: «شكل هيدا الدولة ما بقى نقدر نقبل فيه».

وضع حبشي أمام اللبنانيين تحديين: الأول يتعلق بالحرب والسيادة والاحتلال، وهي مسائل ستصل في مرحلة ما إلى نهاية، والثاني، والأكثر عمقاً، يتعلق باليوم التالي للحرب، وكيفية منع لبنان من العودة بعد خمس أو عشر سنوات إلى حرب أو أزمة جديدة.

ودعا إلى البدء منذ اليوم بالتفكير في شكل الدولة التي تسمح للبنانيين بالعيش بأمان وكرامة ومحبة واستقرار لأربعين أو خمسين سنة مقبلة، معتبراً أن هذا هو التحدي الوطني الحقيقي بعد الحرب، كي لا تكون نهاية حرب معينة مجرد بداية العد التنازلي لأزمة جديدة.

وفي ختام كلمته، شدد حبشي على تماسك مجتمع دير الأحمر، معتبراً أن قوته نابعة من تكامل الكنيسة والسلطات المحلية والبلديات والمخاتير والأهالي، وقال: «الكنيسة التي ترعانا قوة، وسلطاتنا المحلية وبلدياتنا قوة، ومخاتيرنا قوة، وأهلنا ومجتمعنا قوة».

وبين عظة المطران رحمة وكلمة النائب حبشي، حمل قداس شهداء دير الأحمر رسالتين متلازمتين: الأولى أن المقاومة تبدأ من الشهادة للحق ولا تنتهي بموت الشهداء، والثانية أن الوفاء لتضحياتهم لا يكتمل إلا ببناء دولة قادرة على حماية لبنان وسيادته، وتأمين الاستقرار والحرية والكرامة لأجيال مقبلة، لا سنوات قليلة تفصل بين أزمة وأخرى.