شفيق الوزّان… رئيس حكومة دخل السياسة في زمنٍ كان فيه البقاء فيها مغامرة

المحامي ميشال فلاّح

كان يمكن لشفيق الوزّان أن يبقى واحداً من رجال بيروت الذين مرّوا في السياسة وتركوا خلفهم مجموعة من المناصب والانتخابات. لكنه اختار، أو ربما اختارت له الظروف، الطريق الأصعب.
في لبنان الذي كان يتفكك على وقع الحرب، وفي بيروت التي كانت تنقسم وتتقاتل، وجد الرجل نفسه رئيساً للحكومة في واحدة من أكثر مراحل البلاد اضطراباً. لم يكن ابن عائلة سياسية بالمعنى التقليدي، ولم يرث مقعداً نيابياً أو موقعاً حكومياً أو رئاسياً. دخل السياسة من بوابة العمل الوطني والقانون، وخاض الانتخابات أكثر من مرة، حتى إن فوزه النيابي عام 1968 على رشيد الصلح لم يتحقق إلا بفارق عشرين صوتاً، قبل أن يخسر في انتخابات 1972 بفارق محدود أمام عثمان الدنا. هكذا كانت السياسة بالنسبة إليه: لا شيء مضموناً، وكل خطوة تقريباً تحمل احتمال الربح والخسارة.

من المحاماة إلى رئاسة الحكومة
وُلد شفيق أديب الوزّان في بيروت عام 1925، وتلقى تعليمه في المؤسسات المقاصدية، ثم درس الحقوق وحصل على شهادته عام 1947، وانتسب إلى نقابة المحامين في بيروت. ومنذ الخمسينيات، بدأ حضوره في الحياة العامة، فشارك في العمل الوطني وانتُخب أميناً عاماً لمؤتمر الأحزاب والشخصيات الوطنية لمحاربة الأحلاف الأجنبية بين 1956 و1958.
لم يكن صعوده سريعاً أو سهلاً. لكنه كان يبني، بهدوء، صورة السياسي البيروتي الذي يجمع بين القانون والعمل العام والخطاب الوطني. وفي عام 1969 تولى وزارة العدل، في سنة كانت أحداثها تنذر بما سيأتي لاحقاً. ثم جاءت الحرب، وتوالت الأزمات، إلى أن وجد نفسه في أواخر عام 1980 أمام عرض رئاسة الحكومة.

كان العرض في الحقيقة أقرب إلى امتحان.
استقال سليم الحص، وتعذر على تقي الدين الصلح تشكيل حكومة، وكان عهد الرئيس الياس سركيس يقترب من نهايته، بينما الحرب مستمرة. ومع ذلك، قبل الوزّان المهمة وشكّل حكومة من 22 وزيراً. ولم يكن الأمر انتقالاً طبيعياً إلى السلطة، فقد كان يدرك أن الحكومة التي يقودها تقف فوق أرض سياسية شديدة الاهتزاز.

حكومة في قلب العاصفة
لم تكن رئاسة الحكومة في تلك المرحلة مرتبطة بالمقر الذي يعرفه اللبنانيون اليوم باسم السراي الحكومي الكبير. فقد فرضت ظروف الحرب والتنقل الأمني والسياسي واقعاً مختلفاً على عمل السلطة التنفيذية، وكانت اجتماعات مجلس الوزراء واتصالات رئيس الحكومة تتم في مواقع وظروف فرضتها الحرب.
وهذه التفصيلة ليست هامشية عند قراءة تجربة الوزّان، لأن الحديث عن رئاسته للحكومة يجب أن يُفهم في سياق دولة لم تكن مؤسساتها تعمل في ظروف طبيعية، وعاصمة مقسمة، وخطوط تماس وحواجز، وتدخلات عسكرية وسياسية تتجاوز الحدود اللبنانية. لقد كان الوزّان رئيساً لحكومة في بلدٍ لم يكن رئيس حكومته يملك فيه دائماً رفاهية أن يمارس السلطة من مكتب ثابت وآمن، أو أن يتخذ قراراته في ظروف طبيعية.

بيروت المحاصرة… والاختبار الأصعب
ثم جاء صيف 1982، الذي كان الامتحان الأكبر. اجتاحت إسرائيل لبنان وحاصرت بيروت، وأصبح على الحكومة اللبنانية أن تتعامل مع واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ البلاد. وفي تلك اللحظة، برز دور الوزّان في الاتصالات والمفاوضات غير المباشرة التي رافقت مهمة الموفد الأميركي فيليب حبيب، ولا سيما في ما يتعلق بإجلاء المقاتلين الفلسطينيين من بيروت.
وتشير وثائق وشهادات صحفية من تلك المرحلة إلى أن الوزّان كان في قلب الاتصالات الرامية إلى إخراج لبنان والعاصمة من الحصار، في وقت كانت فيه القرارات الكبرى تتقاطع فيها الإرادات اللبنانية والعربية والدولية.
لم يكن الرجل يدير حكومة في ظروف عادية. كان يحاول، وسط الحصار، أن يحافظ على خيط الدولة وأن يجد للبنان مخرجاً سياسياً من مأزق عسكري بالغ التعقيد.

الوزّان السني… والبيروتي قبل كل شيء
من المهم أيضاً قراءة الوزّان في سياقه البيروتي والسني. فالرجل ابن بيروت، نشأ في مدارسها ومؤسساتها، وانخرط مبكراً في العمل الوطني والإسلامي العام، لكنه لم يحوّل انتماءه إلى مشروع انعزال سياسي. كان يرى نفسه جزءاً من النسيج اللبناني، مع تمسك واضح بعروبة لبنان وبعلاقاته العربية. وهذا ما أعطى مواقفه معنى خاصاً داخل البيئة السنية البيروتية: لم يكن يبحث عن موقع الطائفة داخل الدولة فقط، بل عن موقع الدولة نفسها داخل محيطها العربي.
واللافت أنه لم يتردد في اتخاذ مواقف دستورية وسياسية جريئة. فقد دعا إلى تحديد صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة دستورياً، ونادى بالفصل بين النيابة والوزارة، ودعا إلى إصلاحات في النظام الانتخابي، وحذّر من الإفراط في الاستدانة.

اتفاق 17 أيار… واللحظة التي غيّر فيها موقفه
ربما كانت أكثر محطات الوزّان السياسية إثارة للجدل قضية اتفاق 17 أيار 1983. فقد أقرت حكومته مشروع الاتفاق في 14 أيار، في ظروف كانت تضغط على لبنان من كل الجهات. لكن موقف الوزّان لم يبقَ ثابتاً. فبعد أقل من شهر على الاتفاق، دافع عنه باعتباره خياراً اضطرارياً، متسائلاً عن البديل. ثم، بعد أشهر، تغيّر موقفه بصورة واضحة، واعتبر الاتفاق «اتفاق إذعان»، وأن لبنان أُكره عليه بهدف تحرير أرضه. وفي آذار 1984، عاد إلى الحكومة مع الرئيس أمين الجميل، وانعقد مجلس الوزراء الذي ألغى الاتفاق.
قد يختلف اللبنانيون في تقييم هذه المرحلة، لكن ما يستحق التوقف عنده هو أن الوزّان لم يتعامل مع موقفه الأول باعتباره قدراً سياسياً لا رجعة عنه. لقد راجع موقفه عندما تبدلت المعطيات، وهذه في السياسة ليست دائماً علامة ضعف، أحياناً تكون اعترافاً بأن الظروف أقوى من الشعارات.

رجل دولة في زمن الخطر
لم تكن السياسة وحدها خطرة في حياة الوزّان. ففي تموز 1983 نجا من انفجار سيارة مفخخة قرب القصر الحكومي، فيما كانت تنقلاته واتصالاته خلال مهمة فيليب حبيب تعرضه لمخاطر أمنية حقيقية. ومع ذلك، بقي في المشهد. وحين رحل في تموز 1999، شيّعه لبنان في مأتم رسمي، تقديراً لمسيرته ودوره الوطني.

ما الذي تركه شفيق الوزّان؟
ربما لا تختصر تجربة شفيق الوزّان في عدد الحكومات التي ترأسها، ولا في اتفاق 17 أيار، ولا في سنواته النيابية والوزارية.
ما تركه أعمق من ذلك. ترك صورة السياسي البيروتي السني الذي لم يرَ في طائفته نهاية السياسة، بل نقطة انطلاق إلى الدولة. وترك مواقف في الإصلاح الدستوري والسياسي ما زال بعضها حاضراً في النقاش اللبناني. والأهم أنه خاض السياسة في زمن كانت فيه كل خطوة تقريباً محفوفة بالخطر، من الانتخابات إلى الوزارة إلى رئاسة الحكومة.
ولعل أجمل ما يلخص فلسفته السياسية تلك العبارة التي نقلتها «السفير» عنه عام 1989، حين دعا اللبنانيين إلى ألا يذهبوا بعيداً في البحث عن الحلول خارج وطنهم قبل أن يقتربوا من بعضهم بعضاً في الداخل. كانت تلك، في جوهرها، وصية رجل عاش الحرب ولم يستسلم لمنطقها.

شفيق الوزّان لم يترك وراءه سيرة سياسي لم يخطئ. ترك سيرة رجل حاول، في زمن كانت فيه الدولة تتراجع أمام السلاح والتدخلات والانقسامات، أن يعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي: الحوار، والمؤسسات، والشراكة اللبنانية. وربما لهذا يستحق أن يُستعاد اليوم لا باعتباره اسماً من الماضي، بل باعتباره سؤالاً للحاضر: كيف يمكن لدولة أن تبقى دولة، عندما تصبح مؤسساتها نفسها رهينة للظروف؟
هذا هو السؤال الذي تركه شفيق الوزّان، وربما كانت حياته السياسية واحدة من أكثر الإجابات اللبنانية صدقاً عنه.