
هناك نجاةٌ لا تشبه النجاة… نجاةٌ لا تحمل فقط الامتنان للحياة، بل تحمل سؤالاً ثقيلاً لا يهدأ: لماذا أنا وحدي نجوت، فيما سواي جعلته الظروف ضحية تفجير مرفأ العاصمة، في ثاني أكبر كارثة في العالم بعد حادثة هيروشيما عام ١٩٤٥.
// في 4 آب 2020، تغيّر مسار حياة أشخاص بتفصيل صغير لا تفسير له. كان يفترض أن يكونوا في محيط مرفأ بيروت في تلك اللحظة المشؤومة، كما سواهم تماماً. كان يمكن أن يكونوا بين مَن فقدوا حياتهم تحت الأنقاض، أو بين من حملوا جراحاً جسدية ونفسية لا تُشفى بسهولة.
// لكن تأخيرَ دقائق، تغييرَ وجهة، إلغاءَ موعد، أو عرقلةً عابرة… غيّرت الطريق وأبعدتهم عن المكان الذي تحوّل خلال ثوانٍ إلى مسرح للمأساة.
بعد الانفجار، تردّدت العبارة نفسها: “كان من المفترض أن أكون هناك…” أو: “لا أعرف كيف نجوت الحمدلله!”
// لكن خلف كلمة “نجوت” تختبئ حكاية أخرى…حكاية اسمها “ذنب الناجي”. لماذا أنا بقيتُ وهم رحلوا؟
// لماذا تغيّر مساري، بينما لم يتغيّر مسار من كانوا هناك؟ ولماذا نجا مَن ابتعد عن المكان، فيما رحل من وصل إليه؟
// يصبح السؤال أكثر قسوة عندما يكون الذين رحلوا من الأهل أو الأصدقاء أو الرفاق. عندها تتحول النجاة إلى عبء داخلي يمتزج فيه الامتنان للحياة مع الحزن العميق على مَن فقدوا فرصة العودة.
ليس لأن الناجي مسؤول عن رحيل الآخرين، بل لأن القلب البشري يبحث عن معنى أمام لحظة تتجاوز كل منطق.
// ومن هنا يبدأ السؤال الأكبر: لماذا تدخلت يد القادر في حياة هؤلاء، فجعلتهم بعيدين عن مكان التفجير؟ ولماذا تبدّلت تفاصيل يومهم على غير عادتها؟ هل هي المصادفة؟ هل هو القدر؟ أم عناية إلهية لا ندرك حكمتها؟
// نجا هؤلاء بأجسادهم… لكن أسماعهم بقيت مع صوت الانفجار، وعيونهم مع صور الدمار، ومع وجوه الذين رحلوا.
// في ذكرى تفجير مرفأ بيروت، تبقى عبارة “كنت هناك… ونجوت” أكثر من مجرد كلمات. إنها ذاكرة إنسانية تحمل الخوف والامتنان والحزن معاً.
الرحمة للضحايا الأبرياء، والصبر لعائلاتهم، والشفاء للجرحى ولكل من لا تزال روحه تعالج آثار الصدمة.
لأن بعض الجروح لا تُرى، وبعض المعارك تُخاض بصمت داخل النفس وبسؤال بلا جواب، يسكن قلوب الناجين: لماذا أنا بقيت… وهم رحلوا؟
// وفي كل عام، ستبقى بيروت تروي حكاية يوم اختلط فيه الموت بالحياة، والصدفة بالقدر، ونجا فيه البعض… لكن قلوبنا جميعاً ستبقى معلقة بتاريخ لا يُنسى 4 آب ٢٠٢٠.



