بما قل ودل إختصر العماد رودولف هيكل ” أمر اليوم الذي وجهه إلى ضباط ورتباء وأفراد الجيش اللبناني في عيد تأسيسه الواحد والثمانين. عدد العماد هيكل المهمات التي أنيطت بالجيش، وبعضها لا يدخل في صلب صلاحياته إلا في ما ندر، ولكنه كان صريحا وواضحا عندما قال انه لا يلقى الدعم الكافي لجهة التجهيز، وتوفير الامكانات التي تمكنه من القيام بالاعباء التي تنتظره. ولا شك أن الجيش اللبناني لا يفتقر إلى الإشادة والثناء اللذين يغمرانه بسخاء من المسؤولين والسياسيين، وسائر المواطنين. وهو أمر جيد، لكنه لا يصرف، ولا يغني عن خطوات عملية جادة، كي يستطيع الايفاء بالتزاماته وتطبيق ما يرده من أوامر وتعليمات. الولايات المتحدة الاميركية، على سبيل المثال، هي الداعم الأول للمؤسسة العسكرية وتراهن عليها لبسط سلطة الدولة وإحلال النظام، وحماية الحدود ورقابتها، لكن مساعدتها لا تتجاوز حدود التدريب، والتسليح المتواضع الذي لا يمكن الوحدات المقاتلة من الهجوم وحتى الدفاع الفاعل، عدا معونات لوجستية ونقدية. ويكاد هذا الوضع أن يكون مقبولا لو أن واشنطن تسمح بتنويع مصادر التسلح للجيش. هناك لائحة دول محددة يسمح بتلقي مساعدات عسكرية منها، لكن غالبية هذه المساعدات تنحصر في كميات من الذخائر، وقطع الغيار،وبعض آلاليات المستعملة. ومن الواضح أن إسرائيل نجحت منذ عقود من السنين في حمل الإدارة الاميركية على رفض تسليم الجيش اللبناني اي سلاح يمكن أن يشكل إزعاج لها، وذلك بذرائع شتى منها خشية وقوعه في يد تنظيمات فلسطينية ويسارية متطرفة( من فترة السبعينيات إلى مطالع التسعينيات)، و” حزب الله” في ما بعد . وليس خافيا أن واشنطن ذات التأثير الكبير على دول حلف ” الناتو” وحلفائها العرب طلبت التقيد بالمعايير التي وضعتها لتسليح الجيش. ولا يغيب عن الذاكرة كيف أحبطت الإدارة الاميركية هبة طائرات ” الميغ-٢٩” العشر التي قررت دولة روسيا الاتحادية إهداءها إلى لبنان العام ٢٠٠٨. كما كان واضحا أن هذه الإدارة تريد للجيش اللبناني مكافحة التهريب والارهاب، لا ان يتصدى لمحاولات إسرائيل خرق السيادة برا، بحرا وجوا. واليوم،فان إسرائيل التي تحتل أجزاء واسعة من جنوب لبنان لا تزال تمارس شتى انواع المضايقات للجيش،وتفتعل العراقيل أمام إنتشاره ،وتعتدي على ضباطه ورتبائه وجنوده الذين إستشهد العديد منهم، عدا الذين أصيبوا بجراح بالغة. إن الجيش اللبناني بقيادة العماد رودولف هيكل يعي تماما حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه، كما يدرك حجم التحديات التي تواجهه، وبالتالي فهو يتصرف بمنتهى الحكمة ويدرس خطواته بتأن مجانبا الحملات التي تستهدفه بغرض الزج به في مواجهات داخلية لا تخدم الاستقرار العام، ولا السلم ألاهلي.وان الهجمة القاسية التي طاولته من بعض متطرفي المغتربين اللبنانيين في الولايات المتحدة الذين استظلوا ” شمسية” ليندسي غراهام السيناتور الراحل الغارق حتى أذنيه في تأييد الكيان الصهيوني وسياساته العنصرية والتوسعية، تدل إلى أن ثمة من يريد له أن يكون مجرد أداة أمنية داخل بلاده، وليس جيشا ضامنا لسيادة البلاد واستقلالها،وحافظا لهويتها الوطنية. وهذا بالطبع ما رفضه العماد هيكل الذي أعلن غير مرة أنه لا يساوم في اي مسألة سيادية وأن انسحاب القوات الإسرائيلية الغازية من الجنوب هو أولوية تتقدم على كل الأولويات ألاخرى. وأنه غير معني بما عدا ذلك، خصوصا أن موقفه هذا يحظى بتغطية رئيس الجمهورية الذي يعرف بأن اي عبث في المرتكزات التي يقوم عليها الجيش وتركيبته الحساسة، لن تحمد عقباه. من هنا،فان المؤسسة العسكرية في لبنان تظل- على تراكم الصعوبات وتشابك التعقيدات- من أبرز المؤسسات التي يركن اليها، ويؤتمن لها،لا بل يراهن عليها. وأن تقوية الجيش اللبناني، وتعزيز قدراته، والثقة به، هو الاستثمار المجدي الذي يعول عليه لبناء وطن يستحقه ابناؤه.



