ترامب بين هاجس النفوذ ولعبة ” الكل رابح” !! (جوزف القصيفي)

تترجح المفاوضات الاميركية – ألايرانية بين مد وجزر. ما أن تلوح بوادر التفاؤل حتى تطيح بها موجة تشاؤم تدفع بها عوامل التصعيد إلى شاطيء الواقع. الدول المعنية بالصراع لتأثرها به إيجابا وسلبا تسعى بكل ما أوتيت من قدرات وما إمتلكت من إمكانات لصوغ حل على طريقة مقدم البرامج الفرنسية ميشال دروكير : ” الكل رابح” اي ( TOUT LE MONDE GAGNE). لكن هذا الأمر ليس سهلا ولا في متناول اليد، لأن الولايات المتحدة الاميركية تخشى خسارة نفوذها إذا لم تحقق إنتصارا باي طريقة سياسية بالزام الجمهورية الاسلامية بالانصياع لشروطها السياسية، الاقتصادية والعسكرية من خلال التفاوض أو عبر الحسم العسكري. فصورة النتائج السياسية لحرب السويس ( 29 تشرين الاول- 7 تشرين الثاني 1956) لا تزال ماثلة أمام ناظريها، لأنها أدت الى هزيمة بريطانيا والعد العكسي لنفوذها في المنطقة العربية التي كانت سداحا مداحا لها. كما أنها اسست لهزيمتها في العراق بسقوط النظام الملكي فيه العام 1958،وتقلص نفوذها في المملكة الاردنية الهاشمية. ولا شك أن الموقف الأميركي عبر الرئيس دوايت ايزنهاور كان رافضا للاعتداء الثلاثي على القناة المصرية أحد شرايين التجارة العالمية، وصوتت بلاده في الامم المتحدة للقرار الداعي إلى انسحاب إسرائيل – بريطانيا وفرنسا ، وهذا ما تم العام 1957. وكان من نتائج هذا التطور المفصلي: أ- إنتقال النفوذ الدولي في منطقة الشرق الاوسط إلى الولايات المتحدة التي لم تعتم أن حلت محل بريطانيا وباريس على نحو واسع. ب- تشكل ثنائية قطب دولي – إقليمي مع صعود نجم الاتحاد السوفياتي. ج- تحول مصر مع الرئيس جمال عبد الناصر من دولة فاعلة عربيا إلى زعامة العالم العربي، واتساع نفوذها إلى أفريقيا وعدد من الدول آلاسيوية الناهضة. واستطاعت أن تشكل نقطة إستقطاب من خلال الدور المحوري الذي إضطلعت به في منظومة دول عدم الانحياز. د- إن سلطنة عمان برزت كقارئة جيدة ومنطقية لتاريخ المنطقة، ولاسيما منطقة الخليج، وهي خبيرة بتضاريسها وعلاقات دولها وشعوبها، وتعرف نقاط القوة والضعف فيها، فانبرت إلى دور وسطي ووسيط ينطلق من خبرة طويلة ومراس وتصميم عرف بهما السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور آل سعيد وخلفه السلطان هيثم بن طارق آل سعيد. وهذا ما مكن السلطنة من أدوار بالغة الاهمية في الازمة المفتوحة بين واشنطن وطهران ، والازمة اليمنية والخلافات التي كانت تنشب بين الحين وآلاخر مع دول مجلس التعاون الخليجي ، وهذا ما اكسبها موثوقية وحضورا، وقدرة على قيادة مبادرات. ه- إن إيران وجدت في القراءة العمانية مدخلا لخط تواصل مع الدبلومسية، وابقت الباب مواربا بين إحتمالي الحرب والسلم. ولذلك ، فان النشاط المركزي حالا لمواجهة الازمة المستشرية يدور ضمن مثلث إسلام آباد، مسقط وطهران ، ويتفرع في اتجاه واشنطن، الرياض وقطر، والغاية توليد أفكار ووضع آليات تساعد على وقف الحرب. فللسعودية قراءة واقعية بعيدة من الانفعال، وهي على ادانتها للسلوك الايراني في المنطقة لاستهدافها دول الخليج والتعامل معها بعنف، ترى انه يجب بذل المستحيل لتفادي الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران والذهاب بها إلى تصعيد غير محدود يخلف الكوارث لا داخل الجمهورية الاسلامية فحسب، والتي ستستخدم حق الرد ، بل على امتداد الدول المحيطة التي ستعاني من القتل والتدمير واللجؤ الواسع وما يفرز من مآس إنسانية. وقد قدمت إيران بالامس ” عينة” ميدانية من خلال قصفها إسرائيل والقاعدة الاميركية في الكويت مشركة هذه المرة ” الحوثيين” في استهداف الكيان العبري. من هنا،فان للجميع المصلحة- بإستثناء إسرائيل- بحل شامل يعيد الاستقرار إلى المنطقة باسرها. ولكن الولايات المتحدة تعيش مأزقا سياسيا(ليس عسكريا بالطبع)، فهي تريد الحرب وتحقيق انتصار نوعي يعزز أحاديتها السياسية والعسكرية في العالم، ولا يمكن أن تقبل بأقل من ذلك. أما إستمرار حرب الاستنزاف القائمة، فلا تلائم واشنطن والرئيس دونالد ترامب الذي يواجه استحقاقات داخلية تجعله مرغما على السعي للحسم إذا إستطاع، وإذا لم يتمكن لأسباب معينة ( وهذا الارجح)، فقد يوافق على تسوية يتقاسم فيها :” النصر” مع سائر اللاعبين على مسرح المنطقة المثخنة بآثار الحرب ، وفوق الاشلاء والدمار وكأنهم معا أنجزوا بحسب إعتقادهم واحدة من حلقات ال ( ECOLE DES FANS)،بعدما أغرقوا الشعوب والدول في المآسي والفواجع في تراجيديا لم ير العالم مثيلا لها منذ 25 عاما.