صورة سوداء بثوب الحداد وذاكرة بيضاء في وجدان البلاد


أعادت زيارة رئيس اللقاء الديمقراطي النائب تيمور جنبلاط الى رئيس لقاء سيدة الجبل النائب السابق الدكتور فارس سعيد في منزله في قرطبا، احياء الذاكرة السياسية للعلاقة التاريخية التي جمعت المختارة بقرطبا، وآل جنبلاط بآل سعيد، على مدى ما يقارب ستة عقود.
فهذه العلاقة لم تكن مجرد تواصل سياسي عابر او مجاملات اجتماعية، بل شكلت في محطات كثيرة، جسرا ثابتا بين الجبل وجبيل وبين بيئتين لبنانيتين عرفتا كيف تحافظان على خيط الحوار رغم الانقسامات والحروب، وهذا التواصل لم ينقطع حتى في سنوات الحرب الاهلية حين تقطعت أوصال المناطق وانقسمت المدن والقرى والاحياء، وتحول الوطن الى جزر متباعدة تحكمها الخنادق والحواجز والهواجس المتبادلة.


ولا تزال الصورة المعلقة على جدران منزل آل سعيد في قرطبا تختصر الكثير من تلك الذاكرة المشتركة، فهي تجمع المرأة الفولاذية النائب الراحلة نهاد سعيد مرتدية السواد حدادا على رحيل زوجها النائب الدكتور انطون سعيد عام ١٩٦٥ بعد سنة واحدة فقط على انتخابه للمرة الاولى، وهي تصافح الزعيم الراحل كمال جنبلاط، صورة تحولت إلى شاهد صامت على عمق العلاقة التاريخية بين البيتين، وعلى متانة الصلة السياسية والوطنية بين المختارة وقرطبا.
ولعل هذه الصورة، التي قد تكون الوحيدة المرفوعة في جبل لبنان الشمالي، بقيت حاضرة في ذروة الحرب ولا زالت لتؤكد ان العلاقة لم تكن ظرفية، بل امتدادا لنهج سياسي عابر للطوائف والمناطق، يقوم على حماية فكرة لبنان الواحد.
ومع مرور الزمن، انتقلت الدفة الى نجلها الدكتور فارس سعيد الذي حمل إرث والدته اضاف اليه نضالا سياديا واضح المعالم في مواجهة الوصاية السورية على لبنان، الى جانب الزعيم وليد جنبلاط، فكان سعيد احد الوجوه البارزة في ثورة الاستقلال الثاني عام ٢٠٠٥، واحد مؤسسي فكرة ١٤ آذار مع النائب الراحل سمير فرنجية، اللذين شكلا معا دينامية سياسية ووطنية ساهمت في ترسيخ مصالحة الجبل التاريخية، وفي إعادة تثبيت العيش المشترك كركيزة اساسية من ركائز لبنان الكبير.
في المحصلة تأتي الزيارة في توقيت لبناني بالغ الدقة، وفي ظل ازمات سياسية واقتصادية متراكمة، حيث تبدو الحاجة ملحة الى ترميم التقة بين المناطق والطوائف والمذاهب والقوى السياسية، وتجددها باتفاق الطائف، لذلك فاستحضار العلاقة بين المختارة وقرطبا يتجاوز الحنين الى الماضي، ليطرح سؤال الحاضر والمستقبل: كيف يمكن للبنان الكبير ان يبقى مساحة لقاء لا ساحة صراع؟.
الصحافي ميشال كرم