لبنان بين النصر المفقود والسلام المنشود… (ريما صيرفي)

في بلد اعتاد أن ينهض من بين الأنقاض أكثر مما ينهض من بين الفرص، لا يمكن أن يُقاس مفهوم “النصر” بالشعارات والخطابات الوهميّة التي يُطلقها البعض. مما أنّ “السلام” بات كلمة مؤجّلة، تُستهلك في التصريحات، وتُستبدل على أرض الواقع بكلمة “هدنة”.
في هذا السياق، نجد أنفسنا مجددًا في قلب المواجهة المباشرة بين حزب الله وإسرائيل. وهي حرب يصعب قياس نهاياتها، ولا تعكس نتائجها الشعارات المرفوعة. إنها مواجهة تُدار بمنطق الاستنزاف، حيث لم يخرج أي طرف منتصراً بعد بشكل حاسم، فيما تبقى الكلفة الأكبر على الأرض اللبنانية والإنسان اللبناني.
ومع استمرار هذا الواقع، تتداخل الوقائع الميدانية مع الخطابات السياسية والإعلامية، فتتشكل روايات متناقضة حول “الإنجاز” و”الصمود”، في وقت يكشف فيه المشهد عن دمار واسع في القرى والبيوت، وضغط اقتصادي متفاقم، وحياة يومية يثقلها الخوف والإنهاك.
ضمن هذا التباين، تُسجَّل في خطابات البيئة الحاضنة لحزب الله إشارات إلى نصر أو احتفالات رمزية، رغم أن الصورة الكاملة للخسائر لا تزال غير مكتملة، سواء على مستوى المقاتلين أو المدنيين، في ظل صعوبة حصر النتائج النهائية.
وبالتوازي، يبرز ملف النازحين اللبنانيين من القرى المدمّرة في الجنوب وضاحية بيروت كأحد أبرز وجوه الأزمة الإنسانية الممتدة، حيث لا تزال عودة كثيرين منهم غير ممكنة أو غير مكتملة، ما يُكرّس واقع نزوح يتجاوز المؤقت إلى أفق مفتوح على المجهول.
في ظل هذا المشهد المزري، تبدو اتفاقات وقف إطلاق النار أقرب إلى هدنة هشّة تُجمّد الحرب مؤقتاً، من دون أن تعالج جذورها أو تؤسس لسلام مستدام، ما يجعل الهدوء القائم أشبه باستراحة بين جولات، لا نهاية فعلية للصراع.
وعليه، لا تكمن الإشكالية فقط في غياب النصر، بل في غياب تعريف واضح له. فحين يتحول “الصمود” إلى بديلٍ عن الحل، و”الردع” إلى بديلٍ عن الدولة، تصبح الحرب حالة قابلة للاستمرار.

في المحصّلة، لا يبدو لبنان أمام نصر مفقود فحسب، بل أمام سؤال أعمق: هل يمكن بناء مستقبل في بلد يعيش على حافة المواجهة الدائمة؟
بين نصر يُعلن ولا يكتمل، وسلام يُنتظر ولا يولد، يبقى لبنان عالقاً في مساحة رمادية، لا حرب تُحسم فيها، ولا سلام يستقر.