الإنجيل بحسب القديس يوحنا
يو ١٤/٢١-٢٥
يسوع يجعل بطرس راعي الخراف
تلك المَرَّةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي تَراءَى فيها يسوع لتلاميذه بعد قِيامَتِهِ مِن بَين الأموات. وبَعدَ أَن فَطَرُوا قَالَ يَسوعُ لِسمْعَانَ بطرس : يا سمعان بن يونا، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِمَّا يُحِبُّني هؤلاء؟ قالَ لَه : نعم يا رَبِّ، أَنتَ تَعلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ حُباً شَدِيداً قَالَ لَهُ : إِرْعَ حُمْلاني . قال له مَرَّةً ثانية: يا سِمْعانُ بن يونا، أَتُحِبُّني ؟ قال له: نعم يا رَبِّ، أَنتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ حُباً شَدِيداً قَالَ له: إسهر على خرافي . قال له في المَرَّةِ الثَّالِثَةِ : يَا سِمْعانُ بَنَ يونا، أَتُحِبُّني حُبّاً شديداً؟ فَحَزِنَ بُطرس لأَنَّهُ قَالَ له في المرة الثالثة: أتحبّني حُبّاً شديداً؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَنتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، أَنتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ حُبّاً شديداً. قال له: إِرْعَ خرافي . الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ : لَمَّا كُنتَ شاباً، كُنتَ تَتَزَنَّرُ بِيَدِيكَ، وتسير إلى حيثُ تشاء، فَإِذَا شِخْتَ بَسَطتَ يَدَيْكَ، وَشَدَّ غَيْرُكَ لكَ الزُّنَّار، ومضى بِكَ إِلى حَيثُ لا تَشاء. قَالَ ذلكَ مُشيراً إلى المِيتَةِ الَّتِي سَيُمَجِّدُ بِها الله. ثُمَّ قَالَ له : أَتَبْعَني! فالتفت بطرس، فرأى التلميذ الَّذِي أَحَبَّهُ يسوعُ يَتبَعُهما، ذاك الذي مال على صدر يسوع في أثناء العشاء وقال له: يا ربّ، مَنِ الَّذِي يُسْلِمُكَ؟ فَلَمَّا رَآهُ بُطرس قال ليسوع: يا رب، وهذا ما شأنه؟ قال له يسوع: لو شِئْتُ أَن يَبْقَى إِلى أَن آتي، فما لَكَ وذلك؟ أَمَّا أَنتَ فَاتَبَعْني . فشاعَ بَينَ الإِخْوَةِ هذا القول: إِنَّ ذلك التلميذ لَن يَمَوت، مَعَ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَقُلْ إِنَّه لن يموت، بل قال له: لو شِئْتُ أَن يَبْقَى إِلى أَن آتي، فما لك وذلك؟ وهذا التلميذ هو الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذِهِ الأُمور وهو الَّذِي كَتَبَها، ونَحْنُ نَعْلَمُ أَن شَهادته صادقة. وهناك أمور أخرى كثيرة أتى بها يسوع، لو كُتِبَت واحداً واحداً، لَحَسِبْتُ أَنَّ الدُّنْيَا نَفْسَهَا لا تَسَعُ الأَسفار الَّتِي تُدَوَّنُ فيها.
يا رب، إنّ السؤال الذي وجّهته إلى بطرس تُوَجِّهه إلينا أيضًا، وبنوعٍ خاص، إلى من دعوتَهم لِيَتركوا كل شيء ويتبعوك من دون شروط على مثال بطرس نُنكِرُك، نتباهى بِقُدرَتنا على الوفاء لك، ونتجاهل معرفتنا لك أمام المخاطر. حينها، تُسَيطر جبانَتُنا على وَعْدِنا بالأمانة. فَنُنكِرُك خوفًا من الآخرين.
يا رب، لقد حدث لي ذات ليلة، وأنا أتأمل في هذا المشهد، أن تبنَّيتُ هذه الصلاة التي بدت جد ملائمة لضعفي:
“إنْ تَخلَّى عنك يوما العالم أجمع، فاسمح أن أكونَ آخِرَ مَن يبتعد عنك”
ولكن، رجَوتُكَ بألّا تسمح حتى بذلك، وأن “تخطف” حياتي سريعًا، قبل أن أقع في التجربة، وأُضْطَرَّ لارتكاب عملٍ شائن كهذا.
على أسئلتك: “يا سمعان بن يونا، أَتُحِبُّني؟” أجاب بطرس “نعم”. في المرة الثالثة، كشفَ لك عن مكنونات قلبه قائلاً: “يا رب، أنتَ تَعلَمُ كل شيء، تعلم أنّي أنكَرتُك عن ضعف وافتقرتُ إلى الأمانة والشجاعة. لكن نظرَتُك شَفَتني لأني قرأت فيها غفرانك وثقتك المُتجَدِّدة. لا يا رب، لا طموح لي، إلا أن أحِبَّكَ حتى في تَعَثُّري وسقوطي. كيف لي أن أتجاسَر وأُجاهر بحبّي، مُزايَدَةً على الآخرين؟ إن عدت إليك، فهذا بفضلك. ولا يُمكنني أن أدَّعي أمرًا، أخافُ من ذاتي، أُمكُتُ معي، ولن أُنكِرْك مطلقا. لقد اعتَمَدتُ على قواي الذاتية، على “مقامي”، على الاعتبار والنفوذ لأُثبت أمانتي. كان حَريّاً بي أن أقول: “إن آزَرَتْني نعمتك، فلا قوَّة في العالم يُمكنها أن تُبعِدني عنك.”
أنت يا رب مَنحْتَ ثقتك من جديد لبطرس، وطلبتَ منه أن يَعتني بخرافك. أن يكون الراعي المستعد لأن يُضَحّي بحياته على مثالك. كي يتسلَّم الرئاسة لم تطلب منه أن يحصل على الشهادات، أن يُتقن الإدارة، بل أن يُحِبُّ. إن كان الحب يمنح الاندفاع المجنّح ، فإنّه يمنح أيضًا الحكمة والدراية لهدي الناس إلى القداسة، وللقبول باتّباعك حَسَبَ طريقتك. فتقوده
حيث تشاء وأينما تشاء، نحو مصيره؛ وعن محبّة يتبعك.
إنَّ مصير يوحنا لمختلف، رسالته هي أن يُغيّر العالم
لا بالعمل بل بالتّوجيه الروحاني بشهادة الحياة، بالامتثال لِحضورِكَ فيه. نعم إنّه يوحنا الذي عاين ودَوَّنَ هذا المشهد المؤثّر.
لِنُصَلِّ:
يا رب، رغبتي هي أن أكونَ على مثالِ بطرس ويوحنا. أن أُبشِّر بك، أن أموتَ في سبيلِكَ، بعد أن أمتلئَ منك. حقِّق رغبتي، رَجَوتُكَ، ولك الشّكر.
تأمّلات روحيّة من كتاب “الإنجيل في صلاة” للأب منصور لبكي.



